Accessibility links

Advertisements

بسام شمس الدين*

نظرتْ غالية إلى الشفق، كان غائرًا في الأفق، ويوشك أن يختفي، ثم قذفت نظرة حائرة إلى الجبل، وشعرت باستحالة وصولها إلى قريتها قبل حلول الظلام، لقد ضربها زوجها البغيض، وطردها من منزله بلا رحمة، ومنع الأهالي من حمل حقيبتها، ومرافقتها، وبالكاد سمح لها أن تأخذ فانوس أحد القرويين، إنه رجل طاغية سكير، صار يملك حقولاً كثيرة، وبضع عمارات في المدينة، بلغ الخمسين من العمر، غالباً يقود سيارته إلى السوق مخمورًا، وينطلق بسرعة عالية مطلقًا زمارة الصوت، مزعجًا المارة، ويصطدم بالأعمدة والأشجار الواقفة على جانبي الطريق، يسير وحيداً في الغالب؛ لأن الناس يحذرون من الركوب بجانبه، وصار الجميع يعرفون سيارته، ويشيرون إليها بالبنان متشائمين ومبتعدين قائلين:المخمور قادم. لما اقترن بها قبل بضعة أعوام لم يكن شيئاً مذكوراً، كان يبدد أمواله بلا حساب، ولا يعرف كيف يدير أملاكه، وبفضلها صار إلى ما هو عليه اليوم، واستتب حاله، لكنه عاد مؤخراً إلى الشرب وتبديد المال على رفاقه، وقيل أنه قرر الاقتران بفتاة مراهقة من المدينة، وحين تحدثت إليه عن ذلك أبرحها ضرباً، وطردها ككلبة، وقذف حقيبتها إلى الخارج، وحين هب جيرانه لمساعدتها في حمل حقيبتها أطلق النار في الهواء محذراً، بل وحظر عليهم أن يرافقوها إلى قريتها.. فتركت الحقيبة خلفها، ومضت مبتعدة، وهي تقول لنفسها إن استطاعت اجتياز الجبل لن تعود إليه، إنها في الثلاثين من العمر، سمراء ومكتنزة، ممشوقة القوام، لقد خُدعت بهذا الرجل، وظن الناس أن بوسعها أن تصنع منه شيئاً، وقد فعلت كل شيء، ولم يبق أمامها إلا صعود الجبل، والمروق إلى قريتها بسلام. سارت بسرعة وخفة دون توقف، لكن الظلام أدركها؛ فأشعلت الفانوس، وواصلت السير. كانت تعرف الطريق إلى قريتها جيداً، اجتازتها بضع مرات في وضح النهار، ورأت الوعول والضباء تسرح في المكان، والعشب يملأ الأجمات والوهاد، والشعاب تكسوها الأحراش والصخور والأوكار، ولم تجد أي أثر للحيوانات الضارية. يشاع أنها تخرج في الظلام لاصطياد فرائسها، وقد سمعت أن الرعاة كانوا يعودون إليه باحثين عن حيواناتهم التائهة، لكنهم يجدون بقاياها بمكان ما في الجبل، ويرون الدماء مازالت طرية تلطخ الأحجار، فيقفلون عائدين بسرعة. شعرت غالية، أن الناس يبالغون دائماً، ولا يدركون الحقيقة، وأخذت تشجع نفسها على الارتقاء إلى القمة، وما لبثت أن رأت عظاماً متناثرة هنا وهناك، واعتراها الخوف، كيف بوسعها أن تتخيل عظامها تنتشر في هذا الشعب، بين عظام المواشي، ولحمها يتفرق في بطون الوحوش. من المؤلم أن تخرج بقاياك بين فضلات ضبع أو نمر أو غول من الغيلان، وشرع الخوف يغازلها.. ما لبثت أن سمعت أنين حيوانات، ورأت عيونها تلمع وتومض، واقتربت العيون، ولم تتحرك من مكانها، ووقفت تراقب، قائلة لنفسها: لا جدوى من الفرار.. ولاح خمسة ضباع أخذت تدور حولها، وتطلق صوتها البربري، وأخذت تقترب متوثبة رافعة رقابها ثم تخفضها، وتتراجع، فجلست غالية منهارة، كانت ركبتاها تصطكان كالأسنان، واقترب ضبع جريء، وقضم طرف قدمها الممدودة، ومزق حذاءها، ولم تتضرر أصابعها لحسن الحظ، ثم قرفصت بحذر، ولاحظت أن الفانوس يخيف الحيوانات، ومن القرب صدرت زمجرة رهيبة، فذعرت الضباع وابتعدت، ولاح حيوانان طويلان مخططان، وهجما عليها، فشهرت السراج في يدها، وما لبثت الضباع أن عادت، ودارت بين الحيوانات معركة عنيفة، وثار الغبار حولها، واستخدم الحيوانان أيديهما، وأبرزت الضباع فكوكها، وكان بوسعها أن تحصي أسنانها عن كثب، وسرعان ما تفوقت الضباع الخمسة، وطردت الحيوانين بعيداً، ثم عادت متحفزة وهاجمتها بضراوة، وسال لعابها على الأرض، وكأنما تغريها المنافسة والانتصار على أخذ جائزتها المستحقة، وأمسك ضبع كمها، وسحبتها الضباع وجرتها بعيداً في الشعب، وظلت رغم ذلك ممسكة بالفانوس، وفجأة صدرت دمدمة حيوانات من الجوار، ورأت الضباع تتخلى عنها، وتلوذ بالفرار، ولمحت حيواناً ضخمًا ذو لبدة كثة فوق رأسه، وسمعت زئيره الرهيب، ثم شاهدت لبوتين كبيرتين، وعرفت أنها أسود، وانتابها اليأس من النجاة، ولمعت عيون الضباع وهي تبتعد، كانت الحيوانات الدخيلة تطردها، فنهضت غالية، كانت الرضوض تملأ جسدها، بفعل احتكاكها بالأرض، ولحسن الحظ لم تمسها أنياب الضباع بسوء، لكن ملابسها تمزقت، وصارت تعيقها عن الحركة، فتخلت عنها، وأحست بلسعات برد الشتاء القارس، لم يعد يغطيها شيء من الثياب، سارت في الدرب عارية، ولم تشعر بأي خجل في الجبل، وأتى الأسد واللبوتان، وأحست بفروها الخشن يحتك بجلدها الجاف، لم تشعر بالخوف وهي تسمع الزئير حولها، حتى البرد اختفى، وقالت كأنها تخاطب الأسد:ألا تشعر بالخجل وأنت تتأمل امرأة عارية؟ ياللعار.. كانت تسير دون توقف، ولاحظت أن اللبوتين تحاولان منعها من التقدم، فنظرت إليهما بسخط قائلة:انظرا، كيف رماني زوجي، لأنه وجد فتاة أصغر مني سنًا، ألا تملكان شيئا من الغيرة والحمية؟ ها هو الذكر يتأملني بشبق.. الذكور عيونهم زائغة وطويلة على الدوام.

كشرت اللبوتان عن أسنانهما، ولوتا عنقيهما، واتجهتا نحو الذكر الكبير، مطلقتين حشرجة غاضبة، ثم هاجمتاه بقسوة، ودارت معركة بالأيدي والأسنان، وخرج الأسد منها، بخدوش في وجهه، وعرج في ساقه اليسرى، وتنحى جانباً تاركاً مسافة آمنة بينه وبين الإناث المتوترات، وأتت حيوانات أخرى، أسود جبل وضباع ونمور، وحاولت أن تهاجم غالية، ودارت معارك ضارية انتهت بانتصار الأسود، وانطوت الطريق، ولاحت الأضواء في القرية، وسمع نباح الكلاب وخوار الأبقار، ولم يتوقفوا عن السير، حتى وصلوا إلى مشارف القرية.. في تلك الأثناء دوى نباح الكلاب، وقابلتها الأسود بالزئير المخيف، فعوت كلاب المنازل وهربت و ذيولها ملوية بين سيقانها، وارتفع عواؤها في القرية وكأنها تستغيث بالأهالي، وخرجت الفوانيس والمصابيح من المنازل، واجتمعت واتجهت خارج القرية، قالت غالية مخاطبة الأسود: الرجال قادمون بالبنادق.. فابتعدوا حتى لا تصابوا بالطلقات المميتة.. وصدرت حشرجة غاضبة من الحيوانات، وبدأت تتحفز للمعركة الأخيرة، وظهر الأهالي ولاحت أجسادهم وبنادقهم وسط بؤرة الأضواء الكثيفة، وبدت كلابهم خلفهم تعوي مستترة خلف أجسادهم المدججة بالمعاطف الشتوية الثقيلة، وشهر الرجال أسلحتهم واستعدوا لإطلاق النار، ولمحت غالية والدها جمعان ناجي يتقدم الحشد القروي، متزرًا بثوبه اللبني، وحزامه الجلدي وخنجره العتيق، وسمعت صوته وهو يصيح محذرًا: هيه، سنطلق النار، احترس يا عابر السبيل.. تنحى قليلاً.. الحيوانات خلفك.. وشق صوت غالية الليل وهي تصيح بصخب: هذه، أنا.. أنا غالية يا أبي، دع الرجال يبتعدوا، أنا عارية تماماً.. وصدرت دمدمة الرجال، وتداخلت الأصوات، ولم تعد تفهم، فزجرهم كبير القرية جمعان ناجي، حتى ساد الهدوء وصاح:ماذا قلت؟ أنت امرأة.. أليس كذلك؟ سنطلق النار وننقذك.. صاحت بتأثر وغضب: لا تطلقوا النار يا أبي.. أنا غالية.. دع الرجال يبتعدون عن طريقي، لأني دون ثياب.. وهنا فهم كبير القرية كلامها، فصرف الرجال، واقتربت من ابنته، ولفها بمعطفه، ورأى الأسود واقفة تتحرك وهي تزمجر بغضب، ولا تجرؤ على الاقتراب من المنازل، وسار الأب يرتعش من التأثر حتى دخل داره، وفي وقت مبكر من الصباح، أخذ ثوراً من زريبته، وقاده إلى الجبل، وعقله على شجرة، وآب إلى القرية ممتنا..


*قاص وروائي يمني

Advertisements

تعليقات