Accessibility links

لم يكن مأمون الدعيس (62 سنة) يعلم أن سفره إلى الولايات المتحدة من أجل زيارة ابنته وأحفاده لمدة شهر سيكون بهذه المشقة التي كاد أن يفقد فيها حياته.. إنها رحلة من اليمن إلى أرض الأحلام.. رحلة تكشف عن صورة من صور المعاناة التي يتجرعها اليمنيون في طريقهم لزيارة الولايات المتحدة، مجرد زيارة من أجل رؤية الأهل لا أكثر.. قصة يرويها مأمون بعد أن تجاوز كل تلك المتاعب، وعاد من الولايات المتحدة إلى بلاده..

ميشيغان – “اليمني الأميركي”

 

يروى مأمون لـ“ اليمني الأميركي” قصة رحلته من مسقط رأسه بمحافظة إب، وصولاً إلى أميركا، حيث تنقّل وصولاً إلى عدن عبر طُرقٍ مختلفة من وسط البلاد إلى جنوبها، بطول يتجاوز 200 كيلومتر.. كل هذه المسافة داخل بلاده ما بين طرق معبّدة وجبلية ترابية في رحلة تهريب للأسف.. يقول: انطلق مسيرنا من إب، مرورًا بتعز، واتخذنا طريق (الراهدة – عدن) من خلال (خط الحجرية، جبال حيفان، الشويفة، الأعروق، بن علي، القبيطة، الأعبوس، الخرجة، المغاليس، الصبيحة، طور الباحة)، ثم منطقة “المنبطحة” قطعنا منطقة صحراوية حتى وصلنا مصنع الحديد في عدن.. ثم اتجهنا إلى ميناء عدن، ودخلنا من بوابة الميناء؛ فوجدنا سفينة السعيدة قد امتلأت، فمنحونا بدلاً عنها قاربًا متوسط الحجم؛ فركبنا وانطلق القارب من الميناء الساعة التاسعة مساءً”.

 

قارب الموت
كانت رحلة قاسية بتفاصيل مشقتها.. يوضح: افترشنا أرضية القارب بأجسادنا والتحفنا السماء، وإذا بمطر ينهمر، فيما القارب تتلاطم به الأمواج، فأصاب بعضنا الغثيان، وارتفعت أصوات الأطفال والنساء وأصوات التكبير والتهليل.. استمرت تلك الحال أكثر من ساعة”.
يتابع مأمون سرد الحكاية: كانت الساعة الثانية بعد الظهر، حيث قدموا لنا الغداء، وكان عبارة عن رز وخبز وصانونة سمك.. على الرغم من كل ذلك كانت رحلة جميلة بالرفقاء، ومتعِبة في طول السفر، وكان في القارب حمامان، واحد للرجال وآخر للنساء، ونستخدم ماء البحر للوضوء.

 

ميناء جيبوتي
يضيف: في جزيرة (أبغ) توقف القارب؛ لأنها مخصصة كمحطة لتفتيش أوراق الركاب، فمن كانت أوراقه غير مكتملة ينزل ويعود منها.. وصلنا للجزيرة الساعة الرابعة عصرًا ومكثنا في المرسى حتى الثامنة مساءً، وبعدها واصلنا رحلتنا بعد أن فقدنا أربعة اشخاص أنزلوهم في الجريرة.. تحرك القارب وقدموا لنا العشاء ومن ثمّة نمنا، ولم نصحُ إلا ونحن نقترب من ميناء جيبوتي، كانت الساعة الـ12 ليلاً، فأنزلونا وركبنا باصات أوصلتنا إلى باب الجوازات، حيث انتظرنا الأمتعة، ومن ثمة استقبلَنا مندوب من السفارة اليمنية، وقدّم لنا الماء والعصير والبسكويت، ثم استلم جوازاتنا من الجيبوتيين، وسلّم كل شخص جوازه، واصطففنا في طابور من أجل التأشيرة والبصمة، والتثبت من الوثائق.

استمرت متاعب الرحلة.. يقول مأمون: تعطل جهاز البصمة بعد تبصيم العائلات، وكانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل، وانتظرنا حتى الرابعة، ولم يتم إصلاحها؛ فتم نقلنا إلى هنجر مخصص للأشخاص المرحلين.. استمرينا هناك حتى الساعة التاسعة صباحًا، حيث عدنا لإكمال معاملة السفر، وإذا بالساحة تعج بالقادمين في سفينة أخرى، وكانت جوازاتنا قد سُلّمت للذين كانوا مداومين مساءً؛ فطال الانتظار حتى جاء مداومو المساء، كانت الساعة الثالثة عصرًا عندما خرجنا جميعًا.
ويستطرد مأمون: كانت مديرة الجوازات من الضباط النساء، وقد نقلتنا بالباص، وتُعدّ المتعهدة الوحيدة، التي تتحكم بوصول الراكب منذ نزوله من السفينة وحتى خروجه من بوابات الميناء، وكانت لا تتعامل إلا بالدولار.. وكنا نخرج على دفعات، وكل دفعة لا تزيد عن عائلة أو شخصين من أجل أن تدفع مئة دولار؛ إيجار السيارة.
يضيف: عند خروجنا كان في الاستقبال أخي العزيز – الشاعر حسن الدعيس؛ فذهبنا للبيت وارتحنا إلى اليوم التالي؛ ومن ثمّة ذهبنا إلى لعيادة المتعاقدة مع السفارة الأميركية للفحص، وصلنا والمكان مكتظ بالمراجعين، إلا أنه كان لليمنيين سماسرة يستعينون بهم لإنجاز معاملاتهم مقابل مبلغ مالي؛ فدفعنا وخرجنا.
ويتابع: بعد ذلك ذهبنا نُرتب الأوراق التي سنسلّمها للسفارة، وكان هناك عدة مكاتب لهذا العمل، أربعة منها كان لها النصيب الأكبر من المراجعين اليمنيين..
وأشار الدعيس إلى ما شاهده في العاصمة الجيبوتية من أمن واستقرار وانضباط على الرغم من محدودية موارد الدولة، مستغربًا مما يتمتعوا به مقارنة بالوضع في اليمن، وما نجده في مدنها من مطبات ومظاهر مسلحة وحواجز اسمنتية وغيرها ليست موجودة هناك، بما في ذلك ما تجد عليه حال محلاتهم التجارية في أوقات الصلاة، حيث يكون معظمها مغلقًا.. منوهًا بما يشعر به الإنسان الزائر لجيبوتي من أمان، حيث لا أحد يسأله أو يفتشه إلا في حال أقدم على أذية آخرين – حد قوله.
ولفت إلى ما شاهده في مقيل السفير اليمني حمود العديني، حيث التقى (الدعيس) بيمنيين مهاجرين من محافظات مختلفة، “فكان يوم جميل، حيث التقينا بأناسٍ من كل المحافظات، وأكثرهم كانوا من محافظة إب”.

السفر إلى أميركا
يقول: عشتُ أيامًا حلوة مع شاعرنا الحبيب حسن الدعيس؛ فكان يسعدني بأشعاره الوطنية، بالإضافة إلى قصائد الغزل.. المهم مكثنا شهرًا كاملاً، وتمت الموافقة على أوراق سفرنا.. وكانت التأشيرة مدتها ستة أشهر.. فكنت أتذكر القارب وسفر البحر والتنقل في الطريق الوعر وما صاحبها من عناء.. أتذكر ذلك، وأنا أُقرر السفر للولايات المتحدة، حيث كانت أفضل من العودة وتكرار المتاعب السابقة.. لا سيما والمسألة كانت زيارة شهر أو أكثر، والعودة “..
بالفعل غادر (مأمون) جيبوتي إلى الولايات على رحلة طيران، إلى مطار “شيكاغو”، ومنه رحلة أخرى إلى “ميشيغان”، حيث كان في استقباله عدد من الاصدقاء والأقارب.. وهنا في “ميشيغان” أمضى فترة الزيارة، وعاد إلى بلاده، لكن رحلة العودة كانت جوًّا؛ تفاديًا لتكرار مخاطر ومتاعب سفر المجيء.. كل تلك المحطات كانت من أجل أن يزور ابنته وأحفاده ويرى أرض الأحلام.. فتجشّم كل تلك المخاطر..

تعليقات