Accessibility links

جوهرة التعكر

فازت رواية “جوهرة التعكر” للروائي اليمني همدان زيد مطيع دماج بجائزة الشارقة للإبداع العربي في مجال الرواية، الدورة الثامنة عشرة 2015.

وهذا الفوز المستحق هو إضافة مهمة إلى إنجازات الرواية اليمنية وحضورها في الداخل والخارج، وعلامة على عافية المشهد الروائي في اليمن وازدهاره.

هذا العمل الروائي المُتقن والمكتوب بحرفية عالية ينجح في توظيف الأساطير المحلية ونسجها في ملحمة روائية على قدر كبير من التشويق والغموض.

واحتفاءً بالرواية وكاتبها تنشر صحيفة اليمني الأمريكي فصلين منها، ليتعرف القارئ على أسلوب جديد في الكتابة، ربما ليس مألوفاً عند كُتّابنا، يهدف إلى الانزياح عن الواقعية الكلاسيكية، إلى واقعية أسطورية تمتد جذورها عميقاً في تربة الوطن اليمني.

(1)

ظهيرة ذلك اليوم، كانت السماء ملبّدة بالغيوم؛ لكن لم يكن يبدو أنها ستمطر. كانت الرياح تهب بشدة أكثر من المعتاد، لذا لم يتمكن أهالي قرية “ذي المجمرة” من إكمال الحصاد؛ إذ كانت حبوب الذرة تتطاير بعيداً… حينها اشتكى “العمدة” من مغص في بطنه، وتكدر مزاجه كثيراً، وهو ما أتاح لأهل القرية سماع لعناته القاسية وهي تتعالى من الأزقة الضيقة…

أطلق الناس على النقيب(1) “محمد بن حمود قائد” لقب “العمدة”، على سبيل التندر والممازحة عندما اختير “عدلاً” للقرية قبل أعوام عديدة. أخذ الناس هذا اللقب من المسلسلات والأفلام المصرية التي داوم التلفزيون على عرضها منذ أن عرفته البلاد في منتصف سبعينيات القرن العشرين. وبمرور الزمن، أصبح لا يُعرف إلا بهذا اللقب، حتى أن بعض شباب القرية من الأجيال الجديدة المتكاثرة اكتشفوا، وهم يتجادلون في أحد الأيام، أنهم لا يعرفون اسمه الحقيقي، كما أن أبناءه السبعة أصبحوا لا يُعرفون إلا بكونهم “أبناء العمدة”.

كان العمدة يلعن كل شيء تقريباً، مستخدماً أقسى العبارات وأكثرها ابتذالاً؛ لكن دون أن تخلو من طرافته المعتادة، فقد كان مرحاً بطبعه، محباً للفكاهة والتندر، يمازح الجميع ويمازحه الجميع، ولا يغضبون من كلامه مهما كان قاسياً. وعلى الرغم من سلاطة لسانه وقدرته على نسف أبسط قواعد اللياقة متى شاء؛ كان شخصية يُعتمد عليها، يساعد الجميع دون تردد متى ما تطلب الأمر ذلك. والحق أنه كان قليل الخصومات، يخفق في صدره قلبُ ملاكٍ طيب، بسجية تلقائية ومتسامحة إلى حد بعيد، سريعاً ما تتلاشى بداخله زوابع الحنق والكراهية، وإن كان حبه للفكاهة والمزاح قد خفّ في السنوات الأخيرة، بسبب تقدمه في السن.

توجه العمدة نحو جامع القرية وهو ما يزال يهدر بلعناته اللاذعة. مرَّ من أمام بعض شباب القرية دون أن يلتفت إليهم، وقد رسم ببعض أصابع يده اليمنى النحيلة إشارات بذيئة لاستثارتهم، مستمراً في المشي بخطى سريعة، فما كان منهم إلا أن لحقوا به يمازحونه كما جرت العادة، متصنعين استياءهم مما صدر عنه من كلام معيب وحركات غير لائقة، وهو ما دفعه إلى معاندتهم وإغاظتهم، فبدأ يصب جام لعناته على السماء، قبل أن يلتفت إليهم زاعقاً بكل صوته:

– أنتم يهود… يعني أبناء يهود…!!

تزداد ضحكاتهم وكركراتهم… وما يلبث أن يتدارك الأمر بخبث قائلاً:

– إيه… ليت آباءكم كانوا يهوداً.. يعني لأحسنوا تربيتكم…!

ويستمر شباب القرية في إغاظته وهم يتبعونه نحو الجامع، ويسألونه مازحين:

– وأنت يا عمدة…؟!

فيبتسم، وقبل أن يتأهب بحذر لنزول الدرجات

الحجرية لفناء الجامع للوضوء من عين الماء التي تقع بالأسفل، وقد تعدل مزاجه بعد أن خف ألم بطنه قليلاً، يرد عليهم مازحاً:

– أنا نصراني… محترم… أما أنتم فحيوانات… يعني دواب…

يضحكون، فيلتفت إليهم وقد قاطع يديه واضعاً ظهر إحدى كفيه ببطن الأخرى مستهزئاً:

– هه!… صحيح “عيال نيذو”(2)…!

يصيح به أحدهم مستفزاً:

– تقصد “نيدو” يا عمدة… “نيـــدو”…!

فيلتفت العمدة لمصدر الصوت، وقد تضايق من التصويب، ليرد بقسوة كما هو متوقع:

– أقصد أمك يا ملعــون…!

فيقهقه الجميع ضاحكين…

(2)

كان العمدة قصيراً جداً، ونحيلاً جداً، يمشي دائماً بخطوات سريعة ممسكاً عصى طويلة لا تتناسب مع قامته، يحملها معه تفاخراً أكثر منه احتياجاً. أسمر، عيناه صغيرتان غائرتان بفعل الزمن، يتمنطق جنبية “صيفاني”(3)، غالية الثمن، ورثها عن أبيه، تغطي نصف صدره ويصل رأسها إلى أسفل ذقنه، يحتفظ وراء غمدها بمستودع صغير من السكاكين والمقصات وشفرة حلاقة صدئة مع مرآة صغيرة، بالإضافة إلى قلم حبر ذهبي متهالك، وختم رسمي، مع محبرة صغيرة شبه جافة، يستعمله في تعميد الأوامر والإفادات الرسمية المختلفة واستمارات جباية الزكاة وعقود البيع والشراء، وعدد من المساويك وإبر الخياطة وملاخيخ(4) الأسنان متعددة الأحجام وبعض أقراص النعناع… حتى ليكاد المرء يشك في قدرة ذلك الحيز الصغير على استيعاب كل تلك الأشياء.

لم يكن العمدة يغير نوع ملبسه على مدار العام وتعاقب الفصول… ثوبان أبيضان يلبسهما بعضهما فوق بعض، وفوقهما فانلة بلا أكمام. تغطي قدميه وساقيه النحيلتين جوارب عادة ما تكون سوداء ترتفع إلى ما تحت ركبتيه. ينتعل حذاءً ثقيلاً “شيكي”(5) مقاس الأطفال، ويضع على رأسه دائماً “قُبعاً”(6) متعدد اللفات يكاد أن يُخفي تماماً رأسه الصغير… وعلى الرغم من ضآلته التي كانت محل تندر ممازحيه، وتلك التوليفة العجيبة من الملابس، كان العمدة يبدو على الدوام نسخة مصغرة لشيخ أنيق ذي هيبة وبهاء.

في السنوات الأخيرة، بعد أن ماتت زوجته، أصبح فم العمدة خالياً من الأسنان، إلا من إحدى قواطعه العلوية بقيتْ لتبرز كلما فتح فمه؛ لكنه سرعان ما اقتلعها بعد أن صارت محل تندر ممازحيه. كان يملك صوتاً حاداً مميزاً، ولا تخلو عباراته عادة من كلمة “يعني”؛ يقولها بعفوية وبصوت مرتفع يشد به انتباه سامعيه. وباستثناء نظره الذي ضعف، كان يتمتع بصحة جيدة على الدوام، ولا يتذكر أحد من أبناء القرية أنه كان قد اشتكى من المرض في يوم من الأيام، حتى الوعكات الصحية النادرة التي كانت تصيبه لم تكن تصمد كثيراً أمام جهازه المناعي العنيد، هذا بالرغم من كونه مدخناً نهماً، يحمل معه دائماً علبة سجائره المفضلة من ماركة “روثمان” ذات التبغ الثقيل، مردداً دائماً شعاره الخالد الذي لا يعرف أحد من أين اقتبسه: “التدخين حياة الأحرار”. لم يكتف بتدخين السيجارة، بل كان مدمناً أيضاً على تدخين “المداعة” (النرجيلة)، خاصة إذا كان التبغ من النوع “الحُممي” أو”البُشاري”، ولا يمانع إذا ما سنحت الفرصة بمشاركة من تبقى من أهالي المنطقة من كبار السن في تدخين “المشرعة”(6) بتبغها المحلي القوي ذي الرائحة الكريهة… أما إذا ما عاتبه أحدهم، وخاصة من أبنائه، على إفراطه في التدخين فدائماً ما كان يرد جازماً:

–           سأظل أدخن حتى الموت… يعني لو كان هناك شيء آخر ملعون اخترعوه لدخنته… صدقني… التدخين حياة الأحرار يا مغفل…!

(1) النقيب: لقب قبلي وجمعه نقباء.

(2) المقصود “أولاد النيدو”، وهو استهزاء شائع يستخدمه كبار السن للدلالة على ضعف الجيل الجديد وسوء تصرفه بسبب رضاعته حليبا صناعيا.

(3) الجنبية: الخنجر اليمني، وجمعها جنابي، ويعتبر النوع الصيفاني من أغلى الأنواع.

(4) الملاخيخ: الخلال، الأعواد الخشبية المستخدمة لتنظيف الأسنان.

(5) شيكي: اختصار لكلمة “تشيكي”، وهو نوع من الأحذية انتشر بين اليمنيين في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم.

(6) القُبع: عمامة يلبسها أبناء القبائل.

تعليقات