Accessibility links

زكريا الحكمي*

وردني اتصال من أخي العزيز ياسر العرامي -الذي كان مدير التحرير وقتها- لعمل تصور لشعار للصحيفة، وعمل تصور آخر للعدد بشكل عام (عربي وانجليزي)..

وبدأت فورًا بعمل التجهيزات اللازمة لإبهار رئاسة التحرير بما مكنني الله من خبرة.. وبعد ذلك أدركتُ أننا بصدد إصدار العدد كاملا.. وفي تلك الأيام بالذات كان القصف بأشده على مدينتنا -صنعاء العاصمة- وأيضًا وقتها كان الانقطاع التام للكهرباء، وحجب للانترنت والمواقع واتصالات السوشيل ميديا..

فما كان مني إلا أن ذهبت إلى بعض أقربائي وأصدقائي لاستعارة «لابتوباتهم» حتى يتسنى لي الوقت لإخراج العدد، فكنت أعمل على أكثر من «لابتوبين» في الليلة، فأندمج مع العمل، للعلم أنني أعمل في الظلام، وحينما تفرغ جميع بطاريات الأجهزة حينها أعود إلى واقعنا المفزع والمظلم والمحطّم لكل الآمال..

فأضطر إلى تشغيل المولد في ساعات متأخرة من الليل وأضطر – أيضًا – لإزعاج جيراني، وأحتسب أمري لله، وأواصل عملي، وحتى أتمكن من استغلال كل دقيقة لعمل أيّة صفحات.. وما كان يفزعني أكثر أنه حين نقلي الإخراج من جهاز إلى آخر تتحول الصفحات، وتتغير بشكل مقلق مما أضطر فيه إلى تعديل الصفحات التي كانت جاهزة أصلاً بجهازي السابق، وأستغل ما تبقى من وقت وشحن لإخراج الصفحات الجديدة..

كل هذا يتم برعاية من الله وخوف من القصف والانتقال أوقات من مكان إلى آخر لأهوّن على نفسي المصيبة وأحاول استجماع شتات نفسي؛ لأن عملي – خاصة – يحتاج إلى هدوء وبرود أعصاب، وبيئة هادئة لأستطيع الإنتاج بشكل يرضي الله ويرضيني..

ولإحساس أستاذي الفاضل بما أمرّ به من ظروف يحاول تهدئتي وتغيير الجو لي بإبداء بعض الدعابات «النكات» علّه ينسيني الخوف الذي اأنا فيه والتوتر والقلق – حفظك الله سيدي، ويعلم الله كم كانت مناسبة حينها..

عموماً.. وبعد أن تعود الصحيفة من السادة رئيس ومدير التحرير من المراجعة، ويتبقى مني فقط تهيئة العمل وتجهيزه للمطبعة.. وهنا بداية قصة أخرى – يعلم الله أني لم أُرد حتى ذكرها؛ لأنها تعيد ذكرياتي إلى تلك الأيام، لكن بإلحاح من الاستاذ رشيد، وبعد تهرّب طويل، سأوجز ما كان يتم..

الإنترنت عندنا متواضع جدًّا.. لدرجة أنني اذا أردت ان أرفع أو أرسل بيانات بكمية واحد ميجا فقط، يأخذ مني بضع دقائق، وأوقات تأخذ أكثر من خمسة دقائق..

وهنا يبدأ الرعب الأكبر أن العمل النهائي المطلوب مني إرساله يصل تقريبًا إلى 60 ميجا، ورئاسة التحرير ينتظرون مني العمل في آخر لحظات لإيصالها للمطبعة، بحيث تتم التعديلات والمراجعات حتى آخر لحظات.. فأبدأ برفع العدد… وهنا تبدأ ساعة الصفر..

البطارية على وشك الانتهاء، والانترنت.. آه نسيت أن أذكر كيفية النت عندنا، يكون عن طريق شبكة في الحي يقومون بالبث للمنطقة، ونقوم بشراء كروت فيها كلمة مرور لساعات معينة وعدد من الميجاهات، وأيضًا تكون عملها لساعات محدودة؛ لأنها تعمل على بطاريات ومولدات..

نعود إلى القصة، وفي الساعات الأولى من الصباح الباكر أقوم ببداية الرفع للعمل، تمر الدقائق وأنا في قمة التوتر والقلق، حينها ما عاد همي شكل العمل هل هو مقبول أم لا، همي كله كان هل سيصل إليهم العمل، وما ظن إدارة التحرير حينها بي، هل يعلمون ما أمر به أم أنهم يرون هذا تقصيرًا وتلاعبًا مني، عمومًا ما أن تمر اللحظات الأولى بعد مرور 20% من الرفع ينطفئ جهازي، تفرغ البطارية..!!

فاذهب إما لتشغيل المولد أو الخروج إلى أي محل من جيراني يمتلك مولدًا لأقوم بشحن «اللابتوب» حتى أقوم بالرفع من جديد.

وماهي إلا دقائق، أيضًا… ويتم قطع بث الشبكات التي عندنا في المنطقة، إما لانتهاء شحن بطارياتهم أو لتوقف المولدات.. فينقطع الانترنت، فينقطع نفَسي حينها، ويرتفع ضغط الدم إلى قمته..

وهنا مصيبة أكبر.. فأضطر إلى إبلاغ السادة بأني سأتحرك إلى منطقة أخرى وأبحث عن أي صديق أو قريب يمتلك انترنت، وأيضًا يمتلك كهرباء بالأساس..

وهنا تبدأ رحلتي المكوكية بعد مرور ساعات من الصباح، أتحرك بسيارتي ولا أدري إلى أين أتوجه.. فلا أحد حينها ممن أعرفهم يمتلك تلك المواصفات – كهرباء وانترنت- ومن يملكها – أصلا – ما زال نائمًا، فأشكو همي لربي، وأحاول إمساك نفسي لأنني وقتها منهار لا محالة..

أركن سيارتي في إحدى الطرق، لتمالك نفسي وتهدئتها، وأحاول تذكّر كل ما سمعته وتعلمته عن تهدئة النفس، لكي استطيع التفكير، بالحل المناسب.. هذا كله وما يدور في بالي أن إدارة التحرير قد يئسوا مني، وربما يرون أو يقولون عني أنني ليس أهلٌ للثقة، وخوفي من ظنهم بأني مستهتر بالعمل، وللعلم وقتها لم أكن أعمل ولا في أية جهة أخرى ولم تكن تتوفر أيّة أعمال، بسبب الحرب والظروف التي تمر بها البلد، من حصار وانفجارات وغيرها من ظروف أدت لإغلاق أغلب المكاتب والمحال التجيرية..

أعود إلى نفسي وأنا في السيارة، لأفرز الأشخاص الذين أعرفهم بحسب حالة الشخص ووو… وهل لديه أطفال يذهبون للمدارس، هنا بالذات فرحت لوصولي لهذه الفكرة، من لديه أطفال يدرسون سيكون مستيقظًا، وهل منهم من يمتلك الكهرباء والانترنت أم لا.. وهكذا..

بدأت بالاتصالات والاعتذارات لإيقاظ أغلبهم من نومهم، لأنه وحتى إن كانوا لديهم اطفال فأغلبهم كانوا ساهرين بسبب القصف والانفجارات..

أخيرًا توصلت إلى أحدهم.. لديه انترنت، لكن الكهرباء غير متوفرة لديه في تلك الساعة.

وفي ذلك الوقت، كنت قد عبرت بسيارتي ما يقارب 10 كيلو متر، لا أعلم إلى أين اتجه، وكانت الساعة حينها السابعة أو الثامنة صباحًا بتوقيتنا.. لم أعد استطيع التفكير، مرهق من العمل طوال الليل، ومن التفكير ووو..إلخ..

ذهبت حينها لكافتيريا لأخذ فنجان من القهوة، وأخذت ساندوتشًا لأني حينها أحسست بأني جائع جدًّا، بدأت بتناول القهوة، وحينها أتتني فكرة.. لمَ لا أسأل صاحب الكافتيريا، عن أقرب مقهى انترنت بالجوار؛ لأن ساعتها كانت الكهرباء متوفرة في ذلك الحي، فقال لي إن الكهرباء عن طريق مولدات، وشبه مستحيل أجد هناك مقهى انترنت..

رجعت إلى سيارتي.. وواصلت طريقي إلى المجهول.. وبينما أنا في الطريق كنت مارًّا من محل أحد أقربائي لبيع الهواتف الذكية، طبعا كان مغلقًا وقتها، فاتصلت به وسألته متى سيأتي، وهل الكهرباء موجودة أم لا، فقال إنه سيتأخر، لكن الكهرباء ستعمل عندهم بعد قليل، فأغلقت الهاتف..

بعد لحظات اتصل بي قريبي هذا، وسألني عن المشكلة فشرحت له، ففاجأني بالرد أنه من الممكن التوصل لشبكة الانترنت التي في المحل، حالما تتم عمل الكهرباء.. فأعطاني اسم الشبكة والباسوورد، كنت حينها قد تجاوزت تلك المنطقة، فعدت على الفور، وانتظرت حتى عملت الكهرباء وحينها بدأت بربط جهازي على الشبكة لأبدأ بالرفع من جديد..

وما هي إلا دقائق وأعلنت بطاريتي عن بدأ النفاذ… فاتصلت به مره أخرى لكي يأتي للمحل، وأنا متكفل بمواصلاته، فلم يردني خائباً.. مرت لحظات أحسستها ساعات، تواصلت مع إدارة التحرير لإبلاغهم عن توصلي لحل مؤقت سيفي بالغرض..

أنا – غالبًا – ما أمر إلى ذاك المحل بحكم صلة القرابة مع صاحبه، إلا انني في تلك المرة فرحت به فرحًا شديدًا، فقد كان منقذي من ورطتي..

قام بفتح المحل، وبدأت بشحن الجهاز وقمت برفع الملف وأنا أراقب شريط الرفع، ولم أكن مصدقًا بأنه يمضي قدماً، إلى أن اكتمل بحمد الله وتوفيقه، حينها كانت الساعة الحادية عشرة ظهرًا، اتصلت بالسادة وأبلغتهم بأن الملف قد تم رفعه.. وعدت الى منزلي وأطفالي وزوجتي التي لم تنم، كانت بانتظاري من ساعة خروجي..

فلله الحمد من قبل ومن بعد، له الفضل بأن عرفني إلى من يصبر ويقدّر ظروف عملي.. أستاذي الفاضل رشيد النزيلي..

لك مني كل الثناء والشكر والتقدير والمحبة..

في الأخير نصلي على نبينا محمد.. وأعتذر عن إطالتي.. لأني وأنا أكتب هذه الكلمات، ويكأني أعيش تلك اللحظات..


* التصاميم والإخراج في صحيفة “اليمني الأميركي”

تعليقات