Accessibility links

ما زال تاريخ الغناء اليمني غير موثقًا ومكتوبًا وذلك لندرة الباحثين الموسيقيين في هذا البلد، إلا أنه يمكن القول: إن الحركة التجديدية في الغناء اليمني بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، من خلال عدد من الأعلام، منهم الشيخ جابر رزق في زبيد (تهامة اليمن)، الذي قدم نماذج غنائية مهمة جدًّا في إطار الموشح الغنائي اليمني (المعروف شعبياً بالصنعاني)، منفتحًا على العناصر الغنائية العربية.

”اليمني الأميركي“ – أحمد الأغبري :

كما ظهرت تجربة سلطان الشيخ هرهرة في منطقة حضرموت، وهذا علم غنائي مهم جدًّا ظهر بطريقة خاصة في الغناء، تبلور منها – لاحقًا – لون جديد في الغناء اليمني، يًعرف اليوم اللوني الغنائي الحضرمي الذي يعتمد أساسًا على المفردات الموسيقية الشعبية في حضرموت، ومن ثم جاءت بعد ذلك تجربة أحمد فضل  القمندان في منطقة لحج، وقدّم تجربة جديدة  في إطار الموشح اليمني استمدت مفرداتها من الأوزان الشعبية في لحج، وأصبحت تُعرف باللون الغنائي اللحجي.

وبعد القمندان ظهرت في عدن، وتحديدًا في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم، وكانت حينها المحافظات الجنوبية والشرقية واقعة تحت الاحتلال البريطاني.. حركة يمكن أن يُطلق عليها حركة «إحياء الغناء التقليدي»، من خلال كوكبة من الفنانين التقليديين مثل علي أبو بكر باشراحيل وعلي عوض الجراش ومحمد الماس وإبراهيم محمد الماس وآخرين..   وخلال تلك الفترة   كانت الأفلام المصرية والهندية تُمارس تأثيرًا يوميًّا على الفنانين اليمنيين في عدن، فظهر منهم إلى جانب مَن كان مهتمًّا بتراث الموشحات التقليدية شباب  يعتقدون أن التجديد يمكن أن يستلهم على الأقل بعض مفرداته من الغناء المصري   والغناء الهندي، ومن هؤلاء كان الفنان محمد جمعة خان، الذي مثّل واحدًا من أعلام الغناء، وكان أبوه هنديًّا، وأمه حضرمية، وقد دخل مجال الغناء تحت تأثير قوي للغناء الشعبي والإيقاعات الشعبية في حضرموت وتحت تأثير – أيضًا – للغناء الهندي فكان يأخذ قصائد فصيحه من التراث الحضرمي ويلبسها ألحانًا هندية..  فبقت الألحان الهندية على ضفاف التجارب التجديدية الغنائية، أي أنها ما دخلت في صلب التجديد الغنائي اليمني، أما بالنسبة للعناصر الوافدة من مصر فقد دخلت في صلب التجديد الغنائي، ويمكن هنا أن نذكر ممن كانوا واقعين تحت هذا التأثير الغنائي المصري خليل محمد خليل وسالم بامدهف وأحمد قاسم ومحمد عبده زيدي وياسين فارع.. وغيرهم..

ومقابل كل هؤلاء ظهرت طائفة أخرى من الفنانين متمسكين بالعناصر المحلية وبالتراث الغنائي، منهم: محمد مرشد ناجي وعبدالله هادي سبيت وآخرون..

تزامن ذلك الحراك الغنائي، الذي شهدته عدن والمحافظات الجنوبية مع حالة انحسار في صنعاء والمحافظات الشمالية التي كانت واقعة حينئذ تحت حكم الأئمة الذين كان لهم موقف سلبي من هذا الفن، وهذا بحدّ ذاته كان له أثر سلبي على  الفعل الموسيقي في هذا الجزء من اليمن خلال الفترة التي امتدت إلى قيام الثورة  في بداية الستينيات؛ إلا أن ذلك لا يعني أن التحريم الإمامي للموسيقى والغناء قد منع الناس من اعتماد هذا الشكل في التعبير، بل كان هناك  ممارسة،      وخصوصًا فيما يتعلق  بالغناء الشعبي، أما بالنسبة  للغناء التقليدي، فهذا المستوى من الغناء قد مورست عليه ضغوط شديدة، وهذا كان له انعكاس سلبي  يجد تعبيره اليوم في تكنيك العزف وتكنيك الأداء، وهذا لا يعني أنه لم يوجد فنانون محترفون في صنعاء، بل على العكس كما يؤكد الفنان جابر علي أحمد، فقد كان هناك فنانون مرموقون مثل الفنان قاسم الأخفش الذي ظل يمارس فعله الغنائي من خلال آلة (القنمبوس)، وكما ظهر بني العجمي، وظهرت أسماء أخرى كثيرة، وخصوصًا بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، التي فكت القيود التي كانت مفروضة على الغناء في صنعاء والمحافظات الشمالية والغربية، وظهرت حركة انتعاش فني في تعز وصنعاء والحديدة، وهذا الانتعاش انعكس في ظهور أسماء كبيرة مثل  الفنان علي الإنسي والفنان أحمد السنيدار والفنان علي السمة  وغيرهم من الفنانين الذين مارسوا تأثيرًا مهمًّا في الحياة الفنية، وبدأت في تلك الفترة محاكاة في الشمال لما تعيشه الحياة الموسيقية في الجنوب من تجديد وتفاعل.. كانت المرحلة مواتية ومشجعة لتشكيل فرق موسيقية قادرة على التعبير عن الأفكار الجديدة في ميدان الغناء؛ لأن آلة العود مع مصاحبة آلات الإيقاع لم تعد كافية لإبراز القيم الموسيقية الجديدة التي ظهرت مع التجارب الجديدة للفنانين في عدن، ولهذا فقد كان من الطبيعي أن تؤدي مسالة تجاوز الهياكل اللحنية التقليدية إلى البحث عن أداة أفضل لتوصيل العلاقات الصوتية الجديدة والتراكيب الإيقاعية المستحدثة – حسب الفنان جابر علي احمد، وبهذا بدأ مع  تأسيس أول فرقة موسيقية في عدن عهد جديد من تاريخ الغناء في اليمن، وقد تأسست هذه الفرقة عام 1961 بقيادة الفنان محمد عبده زيدي، وقد أطلق على هذه الفرقة اسم (الفرقة الموسيقية الحديثة)، توالى بعدها تشكّل الفِرق حتى أصبح عددها بعد الاستقلال في حدود إحدى عشرة فرقة، منها فرقة الإنتاج للفنون الشعبية وفرقة محافظة عدن وفرقة وزارة الداخلية وفرقة الفنون العسكرية وفرقة الثقافة بمحافظة لحج، وغيرها.. ويضيف الفنان جابر: في شمال الوطن بدأت محاولات إحياء تنشيط الحركة الغنائية بعد قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، وهي المحاولات التي تبلورت سريعًا في تأسيس فرق موسيقية في المحافظات الرئيسة من ناحية ثانية.. ومن الفِرق الموسيقية التي نشأت في شمال اليمن الفرقة الموسيقية في تعز عام 1964م من كل من: علي الآنسي، فضل اللحجي، علي عبدالله السمة، محمد قلالة، عبدالرحمن الآنسي، محمد العوامي.. فيما تأسست الفرقة الموسيقية في صنعاء عام 1965م، وتشكلت من أعضاء الفرقة في تعز وأسماء أخرى، ضمت محمد حمود الحارثي وأحمد السنيدار ومحمد قاسم الاخفش ومحمد الخميسي وسعيد الكوكباني وعبدالوهاب الكوكباني ويحيى السنيدار.. وتولى رئاسة الفرقة الفنان الراحل علي الآنسي.. وقدمت الفرقة مجموعة من الحفلات الفنية أثناء أعياد ثورة 26 سبتمبر، بالإضافة الى الحفلات الخاصة.. ويمكن الوقوف بكثير من الإجلال أمام تجربة الفنان علي الآنسي باعتباره فنانًا حقيقيٍّا بامتياز، قدم نماذج تفردت معها تجربته الغنائية في مسار تطور الأغنية اليمنية بلونها الصنعاني خاصة.. وكذلك الحال مع الفنان محمد حمود الحارثي ومحمد قاسم الاخفش وأحمد السنيدار والثلاثي الكوكباني وغيرها من نجوم الغناء اليمني في الشمال الذين شكلوا مع نجوم الغناء في الجنوب منارة واحدة للأغنية اليمنية؛ إلا أن هذه الأغنية بقيت تعاني عديدًا من المشاكل، لم تتجاوز بها الدائرة المحلية إلى تأسيس حضور عربي موازٍ لِما حققته الأغنية في بلدان عربية أخرى.. وهذا موضوع آخر يحتاج لمساحة أخرى..

تعليقات