Accessibility links

علوان مهدي الجيلاني في «مفاتيح الأدراج»


عبدالباري طاهر:

علوان نابغة بحق.. متعدد المواهب، واسع الاطلاع، عميق الموهبة.. من أكثر المبدعين اليمنيين تصدرًا للمشهد الثقافي والأدبي.. وتجربته الشعرية عميقة، تجلت في العديد من الدواوين.. يُعد من ألمع شعراء التسعينيات، وهو ناقد متميز.. درس التصوف والشخصيات الصوفية: بلغيث بن جميل، وأحمد بن علوان، والسودي، والجبرتي، والرداد، والجيلي، وعشرات غيرهم.

درس – عميقًا – الأدب الشعبي والحميني اليمني، كما قرأ التيارات النقدية والإبداعية الحديثة، وغطت أبحاثه وإصداراته الكثير من إصدارات القصيدة، والقصة، وأعمال السرد الروائية.

علوان غزير الإنتاج.. فدراساته وأبحاثه تغطي جوانب كثيرة من إبداعات الشباب شعرًا وسردًا، وهو من أكثر الأدباء والمثقفين اليمنيين حضورًا وفعلاً في الحياة الإبداعية.

غمر المكتبة اليمنية بالعديد من الإصدارات، كما أن أبحاثه ودراساته تتخذ مكانة وحيزًا واسعًا في الصحف والمجلات اليمنية.

«مفاتيح الأدراج» مقاربات سردية مختلفة الإبداعات.. الكتاب متوسط الحجم، يقع في 193 صفحة.. الكتاب المهم دراسات وقراءات معمقة لِما يقرب من ثلاثين مؤلفًا ما بين قصة ورواية.

في البدء «مفتاح المفاتيح».. يشير الدارس إلى سبب اختيار العمل الأدبي للقراءة كرغبة في التماهي مع عوالمه. والقراءة عنده عمل تشاركي، وإعادة لإنتاج النص.. ويقينًا، فإن الباحث علوان لا يعيد فقط صياغة النص، وإنما -أيضًا – يكتب نصًّا إبداعيًّا يتفوق في أحايين كثيرة على النص المقروء.. فهو يكتب بحب غامر وعميق للنص المُحْتَفى به.

يمتلك علوان حبًّا عميقًا للقراءة، وتعاطفًا غير محدود مع النص المقروء، ويقدمه بصورة أزكى وأغنى.. فهو يرى – ومعه كل الحق – أن من حق الإنسان أن يتناقض.. فالإنسان بطبيعة الخلق، وسنن التكوين، وطبيعة الحياة متناقض من الألف إلى الياء، من الحياة إلى الموت.

يتمتع علوان بالمقدرة على توظيف أدوات الحفر عميقًا في المتون، ويغوص في أغوارها؛ ليستخرج الخبيء، ويبرزه ليكون منتوجًا إبداعيًّا أكثر روعة وبهاء.

يأتي على ما سمّي في النقد الواقعي بالاغتراب في الأدب، وأزمة الإنسان في النُظُم الرأسمالية.. يدرس ولادة أدب اللا معقول لدى أوجين يونسكو صاحب شعار «أتحداك أن تفهم»، ومؤسس أدب اللا معقول، وصاحب «مسرحية الكراسي».

يدرك علوان – محب الاطلاع – أن فضاء الإبداع الواسع بلا حدود يقبل التناقض؛ فهو المعنى الحقيقي للوجود والعدم، وللحياة والموت معًا، كما يرى هيراقليطس.. فظهور مدارس العبث أو اللا معقول أو الدادية  في مرحلة ما تعبير عن مرحلة في الحياة الأدبية في أوروبا الزاخرة بالتناقضات، والمفعمة بالإبداع والتجديد حد الطموح لاكتشاف الشمس، والسيطرة على مجاهل الكون، واستيطان الأفلاك والمجرات الأبعد من الخيال.

كان هيراقليطس الفيلسوف اليوناني المادي من أوائل من اكتشف سر هذا التناقض: “إن كل ما هو نقيض يتجمع، ومن المختلف يولد أجمل انسجام.. كل شيء يتحول بالتنافر”.. “لن نعرف حتى اسم العدالة لو لم يكن ثمة ظلم.. الخير والشر هما واحد”.. “إن الطريق المستقيم والطريق المتعرج هما واحد”.

ولعل الصوفية – ومن أبرزهم في هذا المجال عبدالكريم الجيلي الذي ميّز جليًّا بين الطبيعة التكوينية والتكليفية في قصة أبينا آدم والشيطان الرجيم في كتابه «الإنسان الكامل»، وهو كابن سبعين من أهم القائلين بوحدة الوجود – قد أدركوا، بحق، عمق الوحدة والتناقض.

 يدرس اللا معقول في أدب توفيق الحكيم، ويرى أن الحكيم من أكثر الأدباء العرب تواصلاً مع تيارات الحداثة في أوروبا، وتحديدًا الأدب الفرنسي.. ففرنسا الأرض الولادة والخصبة للمدارس وللنظريات الفكرية والإبداعية: الرومانسية، والرمزية، والواقعية، والسيريالية، وأدب اللا معقول، وصولاً إلى البنيوية والتفكيك.

وعي الناقد علوان مفتوح على المناهج المختلفة: التاريخية، والتحليل الاجتماعي، ممزوجة بالأسلوبية والبنائية.. ويتجلى المنهج الثقافي بصورة أعم وأشمل في قراءته الثرة والغنية بالذهنية المفتوحة على مختلف مناهج النقد والإبداع.. وربما تجربته الإبداعية (الشعر)، وحب القراءة قد فتحا وعيه على الكشف عن التطور في الإبداع ومناهج النقد.. يعتبر ما حدث في أوروبا في الأدب بأنه ثورة على العقل وعلى التفكير المنطقي، ملاحظًا أنه في الحياة العربية ليس كل شيء معقولاً ولا منطقيًّا، وهو موجود في التراث الشعبي العربي، مستشهدًا بالأغنية الشعبية المصرية..

يا طالع الشجرة

 هات لي معك بقرة

تحلب وتسقيني

بالملعقة الصيني …إلخ.

كقراءة الحكيم في وجود هذا اللون الخفي في الفلكلور المصري، وإذا ما نقبنا سنجد لذلك نظائر في الفلكلور في المنطقة العربية كلها، ففي اليمن مثلاً حكاية «الكذب المعسبل»..

بدأنا القول بالكذب المعسبل؛

لأن الصدق ما عاد له بقية،

وزَنَّ القملي والثور الاشعب

وزاد القملي رجح شوية..

في الأنموذج المصري «يا طالع الشجرة» طلب متمنٍ يجد مساغه في علاقة البقرة بالشجرة، والسقي بالبقرة.. أما أنموذج «الكذب المعسبل» الممتد بلا حدود، فهو كذب عامد مبالغ في تخيله.. وما يجمع بين الأنموذجين هو اللا معقول.

يهتم النقد العلواني بالجوانب الفنية، والأبعاد الإبداعية ذات الجذر الثقافي.. فهو ناقد مفتوح على مختلف أنواع الإبداع.. وحقًّا فإن لموهبته الشعرية، وسعة اطلاعه، وحبه للفن والحياة والناس أثر  في تجويد نقده وتساميه وعمقه.

يشتمل الكتاب المنوه به على 189 صفحة، كرس منها 63 صفحة في تحديد رؤياه لمنهجه النقدي المفتوح والمستوعب للمناهج النقدية المختلفة، ولأسلوبه الرائع في التعاطي مع ما يقرأ وينتقد.. فهو – بحق – مع حق الإنسان في التناقض، فتلكم طبيعة بشرية، وهو لا يقف طويلاً أمام أسطورة البطل.

يقرأ الباحث – كدأبه – في كل أعماله النقدية، وفي الكتاب المنوه به العديد من قص وسرديات زميله وصديقه وجدي الأهدل.. فهو يقرأ عميقًا الثيمات الأساسية لإبداع وجدي، كما يتناول بعض المجموعات القصصية أو البواكير الأولى للقاص السارد: «زهرة العابر»،مركزًا على الغرائبية في قص وسرد وجدي.

كما يتناول قصص زميله وصديقه القاص والروائي محمد الغربي عمران.. والغربي عمران من الساردين المهمين، له كثير من الإصدارات التي نالت الاهتمام الواسع في اليمن وخارجها، وجعلت من الغربي ساردًا من أهم كُتَّاب الرواية اليمنية.. يتناول مجموعته القصصية «الشراشف»، ويقرأ قصته القصيرة «موت أبي».

كما يدرس، عميقًا، قصة القاصة نبيلة الكبسي «الذبابة بلا أنياب»، ويتناول الخصائص الغنية والقيمة الإبداعية شكلاً ومضمونًا في هذه المجموعة، ويقرأ «الزمان والمكان» في مجموعة نبيل الكميم، و«الحكم على زينب»لمحاسن الحواتي.. ويشتمل الكتاب على قراءة مفاتيح لسر القبول في «الفيل الأزرق» لأحمد مراد، إضافةً إلى أعمال سردية وقصصية أخرى بحاجة إلى قراءة أخرى.

تعليقات