Accessibility links

Advertisements

عبد الباري طاهر*

 

ينسب للرسول محمد بن عبد الله المقولة الشهيرة: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض”. كان الرسول العظيم يعبر بفرحة غامرة عن انتصار الدعوة الجديدة والدين الجديد. في العام 1848، وتحديداً فبراير، أصدر أنجلز وماركس بيانهما الأشهر «البيان الشيوعي»، والذي أحدث ثورات ودوياً لعدة قرون، ولا يزال أثر ذلك عميقاً حتى اليوم في مختلف بقاع الأرض، واسترشدت به، وأفادت منه أحزاب سياسية وثورات شعبية واحتجاجات سياسية في القارات الخمس.

 

في تونس، وبعد أن أحرق البوعزيزي نفسه بسبب الإهانة التي لحقت به، خرج المتظاهرون يصرخون: “الشعب يريد إسقاط النظام”. تردد الصدى في مصر وسوريا وليبيا واليمن والبحرين والأردن والسودان والجزائر فيما بعد. حجارة الطفل الفلسطيني التي أُطلقت ضد الغاصب الصهيوني عام 1987 كانت إيذاناً بوسيلة دفاع جديدة قديمة تتحدث عنها قصة طالوت وجالوت في القرآن والعهد القديم في قصة مبارزة داود الراعي مع جالوت الجبار. طغاة الأرض والإمبراطوريات القديمة والجديدة وكل الطغاة الصغار لا يدركون المغزى الجديد القديم في بروز ظاهرة الاحتجاجات المدنية السلمية التي بدأت تنتشر في الصين- تيانانمن 89.

 

وفي روسيا، وقبلها الاتحاد السوفيتي، وفي جدانسك في بولندا مطلع الثمانينات، والدور الرائع لهذه الاحتجاجات في جنوب أفريقيا ضد التمييز العنصري، ونظام الأقلية البيضاء، في كل مراحل التاريخ كانت الحروب والعنف والإرهاب هي المعاني الحقيقة للطغيان، والظلم والقهر الاجتماعي الذي يفرضه الطغاة ضد الأمم والشعوب والأفراد المغلوبين على أمرهم، فمنذ قابيل وهابيل تروي أقاصيص الرسالات السماوية والملاحم الشعبية، وتذكر تواريخ الأمم والشعوب، وصولاً إلى مجيء الاستعمار القديم والجديد، والأنظمة الفاسدة والمستبدة أن من يحتكر العنف والإرهاب والحروب هم المستبدون والمستعمرون.

 

زعماء الحركات الوطنية والمصلحون ودعاة الحرية والثورة والعدالة غالباً ما يدعون بالكلمة والدعوة، ونشر الوعي، ونبذ الظلم والعبودية والقهر، لكن الفئات الحاكمة والمستبدة هي من يمتشق السلاح، ويعلن الحروب، ويمعن في الطغيان والاستغلال؛ فالعنف والحروب والقهر سلاح المستغلين- بكسر الغين- ضد المستغلين- بفتح  العين-، وأزمنة العبودية والإقطاع والرأسمالية والاستعمار كلها قامت وتأسست على الحرب والعنف.

تتعدد وتتنوع الرسائل والأساليب السلمية المدنية المحتجة، ولكل شعب وأمة أساليبها ووسائل احتجاجها ومقاومتها.

كان الأحرار اليمنيون في أربعينيات القرن الماضي يحتجون بالشعر، وبالشكاوى، ومراجعة الظلمة حد الاستجداء، وحققت الهند الاستقلال بالمقاومة السلمية والسلبية، لكن السمة الأبرز في مسار الاحتجاج والمقاومة هي المظاهرات.

في اليمن، ومنذ حركة 48 الدستورية، مروراً بـ55، فثورتي سبتمبر 62 وأكتوبر 63 -شنت الحرب ضد الثورة اليمنية في الشمال والجنوب من قبل أتباع الإمامة والاستعمار البريطاني، وهي الحرب التي استمرت قرابة السبعة أعوام في الشمال، وتُوجت بحصار صنعاء. وحتى الحرب بين الشمال والجنوب 72 و79 لم تكن بعيدة عن المكائد الاستعمارية والرجعية السعودية، وهروب النظامين الشطريين من أزماتهما. فحرب 94 ضداً على الوحدة السلمية، وتدميراً للجنوب، ورفضاً لشراكة الجنوب، وحروب صعدة الستة، وعشرات الحروب التي خاضها نظام صالح ضد أبناء شعبه هدفها الرائس إذلال الشعب اليمني.

 

هبت رياح الربيع العربي في اليمن عام 2011؛ فانشق نظام صالح على نفسه، وخاض ضد بعضه، وضد الثورة الشعبية السلمية حروباً عديدة. انشقاق على محسن الأحمر وجماعة الإسلام السياسي وآل الأحمر هدفه احتواء الثورة، وإعادة إنتاج النظام، والحفاظ على جوهره وطبيعته، وكان انقلاب صالح 2014 بالتحالف مع أنصار الله موجهاً بالأساس ضد الثورة السلمية، وضداً على مخرجات الحوار، ومشروع دستور دولة الوحدة.

 

تدخل الحرب الآن عامها الخامس، وقد تدخل السعوديون والإماراتيون بتحالف كبير، ودعم أمريكي وبريطاني وفرنسي في هذه الحرب الإجرامية.

 

ملامح فشل الحرب جلية؛ فعجز كل أطرافها عن الحسم واضحة، ولكن الإصرار على استمرارها يعكس النوايا الخبيئة لهذه الحرب الهادفة إلى تدمير الكيان اليمني، وتمزيق اليمن، ونهب ثرواتها، وتعطيل مصالح شعبها، واستنزاف ثروات المنطقة، وعبور قطار صفقة القرن.

 

إرادة المواطن اليمني في مختلف مناطق اليمن ضد الحرب تقوى يوماً بعد يوم. فالاحتجاجات في صنعاء وتعز والحديدة وذمار وصعدة وحجة والمتصاعدة في تعز وعدن والمتحولة في سقطرة ومهرة إلى مظاهرات صاخبة ضد الوجود السعودي والإماراتي وضد الحرب- هي المؤشر القادم لإسكات أبواق الحرب، كما أن انتصار الثورة السلمية في السودان، وتصاعد الاحتجاج في الجزائر هي بشائر الربيع القادم في اليمن شمالاً وجنوباً.

 

هناك خلافات وتفكك واضح في قوى الحرب، والحلفاء والاحتجاجات في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وأوروبا الغربية بعامة ضد بيع السلاح للسعودية والإمارات تتزايد، كما أن وضع الجنجويد بعد انتصار الاتفاق في السودان بين المجلس العسكري ونداء الحرية والتغيير يصبح محل نظر ومراجعة.

 

لتجار الحروب مصلحة في استمرارها، وقوى العدوان متعطشة للدم، وتمزيق اليمن وإذلال شعبها الثائر والتواق للحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي، وتجار السلاح نفوذهم أقوى على دول التحالف، ويبقى الرهان على الاحتجاج المدني السلمي ضد كل هؤلاء .

 

 

*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

Advertisements

تعليقات