Accessibility links

*وجدي الأهدل

الكَرنتينة تعني “المحجر الصحي”. وهي منطقة عازلة تُقام في الموانئ البحرية والجوية لعزل القادمين من مناطق موبوءة ريثما يتم التأكد من خلوهم من الأمراض المعدية، ثم السماح لهم بالدخول.

ما حدث في اليمن هو وضع الشعب بكامله داخل محجر ثقافي، أيّ أن الكرنتينة الثقافية تم توسيعها لتغطي مساحة اليمن حتى أطراف حدودها البرية والبحرية.

وفهمتْ السلطات المتعاقبة التي حكمتْ اليمنيين فكرة الكرنتينة بطريقة معكوسة، فهي ترى أن العالم بأسره موبوء بأمراض فكرية وروحية ضارة، وأن واجبها حماية الشعب اليمني من خطر العدوى، فقامت بعزل الشعب في كرنتينة مُحكمة الإغلاق!

حتى أكثر سلطاتنا تقدمية، وهي السلطة التي حكمتْ الجنوب عقب الاستقلال، مارست الحجر الثقافي على الشعب، فتحولتْ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلى كرنتينة مُقيدة بقيود شديدة.

لقد ساهم الموقع الجغرافي النائي لليمن وتضاريسها الجبلية والصحراوية في عزلها عن العالم. ونتيجة لذلك نشأ إنسان هذه الأرض ضمن سياق تاريخي انعزالي عن الأمم الأخرى.

لذلك يظن الحكام الذين يحكموننا سواءً في العهد الملكي أو الجمهوري وفي حقبة الاستعمار أو الاستقلال، أن الثقافة الأجنبية معتلة بشتى أنواع الأمراض الفكرية والروحية، وأنه لابد من بناء سور شديد المتانة لمنع انتقال العدوى!

لكن بين الحين والآخر يخرج من بين صفوفنا رجال ونساء أبطال، يكسرون هذا الحجر الثقافي، ويجلبون لنا ما لذ وطاب من ثقافات الشرق والغرب، فإذا نحن تذوقنا هذه الثمار المحرمة اكتشفنا الحقيقة: لقد كنا مرضى ونحن لا نعلم، فلما حصلنا على الدواء عرفنا طعم العافية!

أحد هؤلاء الأبطال هو الأديب والمثقف الإنساني عبدالوهاب المقالح، الذي ترجم لنا الكثير من طيبات الفكر والأدب الإنساني، فترجم لنا من حضارة الغرب:

روايتان للروائي الألماني الحائز على جائزة نوبل هيرمان هيسه هما “روزهالده” و”طواف”. ورواية “صيد السلمون في اليمن” للروائي البريطاني بول توردي، وهي الرواية التي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي شهير بعنوان: “Salmon fishing in the yemen”.

وكذلك ترجماته الرائعة لمختارات من الشعر الإنجليزي جمعها في كتاب بعنوان “بيت بجانب الطريق”، والرواية التشيلية الذائعة الصيت “الأرامل” لإيريل دورفمان.

وجلب لنا من حضارات الشرق الكتب التالية مترجمة بلساننا العربي:

رواية “بذرة المجاعة” للروائي الصيني مولكينهو، والكتاب الفلسفي “الرحلة الداخلية” للمفكر الهندي الأوشو، وكتابين من بنغلاديش “الزوجة الصلعاء” و”سر الحياة” وهما حكايات شعبية من التراث البنغالي، وكتاب “الأميرة الصامتة” حكايات شعبية من تركيا، وعمله الأعظم ترجمة الملحمة الشعرية “المهابهاراتا” التي تشكل جزءاً هاماً من الأساطير الهندوسية.

وكذلك كتاب “موسيقى الهند” لمؤلفيه ريجنالد ماسي وجميلة ماسي، وكتاب “حياة مايلاريبا ناسك التبت العظيم”. وكتابين للمفكر سوامي برابها فانندا هما “مقولات يوغا بتنجالي” وكتاب “الصمت كرياضة روحية”.

وأيضاً قصص صينية عنوانها “الباحثون عن الذهب”. وكتاب “جوهر الفهم” لبراجناباراميتا. وكتاب “حصاد الهايكو” وهي مختارات من شعر الهايكو الياباني.

ومن ترجماته المميزة كتاب “لكل ما يخصها” مختارات من القصة القصيرة الهندية.

وغير ذلك الكثير من الترجمات المنشورة أو تلك المخطوطة الجاهزة للطبع التي فتحت عيوننا على ثقافات العالم.

لقد ساهم فرد واحد منا وبجهده الذاتي في جعلنا أكثر إنسانية وتسامحاً، وأقل عداءً ومقتاً للآخر وثقافته.

لقد بنى عبدالوهاب المقالح جسوراً ثقافية بيننا وبين الأمم التي نجهلها، فحدث الاتصال بمعناه الإيجابي، أيّ أننا تخلصنا من الأوهام والصورة النمطية عن الآخر بوصفه عدواً يشكل خطراً علينا وعلى ثقافتنا.

عبدالوهاب المقالح هو مستكشف ثقافي، قام برحلات إلى جهات العالم الأربع وعاد إلينا محملاً بكنوز ثقافية لا تقدر بثمن.

نحن نحتاج إلى مئة شخص على الأقل يتتلمذون في مدرسة عبدالوهاب المقالح ويقتدون به في ترجمة عيون الأدب والفكر العالمي، ويعملون بذات القدر من كفاءته العلمية واللغوية، لكي تخرج اليمن من عزلتها الثقافية الخانقة.

نحن نحتاج إلى ألف مستكشف ثقافي كعبدالوهاب المقالح يحطمون بمعاول الترجمة أسوار المحجر الثقافي الذي يمتد بامتداد خارطة اليمن كلها، لكي نُعلن للعالم أننا شعب حر ومتسامح، ويستطيع تَقَبُّلَ الآخر المختلف عنا في اللغة والدين والعرق.

عبدالوهاب المقالح هو ببساطة نموذج للإنسان اليمني الذي نصبو إليه:

إنسان بذهن متفتح، وقلب لا مكان فيه للكراهية بل هو مُتقبل للحب دون شروط، ومواطن يمني مرتبط بأرضه ارتباطاً عميقاً، ويسعى لخير بلده وشعبها دون انتظار الجزاء أو الشكر من أحد.

*ألقيت هذه الكلمة في نادي القصة بصنعاء بمناسبة اليوم الدولي للترجمة (10/10/2018).

تعليقات