Accessibility links

وجدي الأهدل

مطهر فضل صحافي يعمل في جريدة حكومية تُعتبر الأولى في البلاد.. متزوج من ابنة مسؤول كبير في الدولة، ولديه منها ثلاثة أبناء.. ينتمي مطهر إلى الطبقة الوسطى، ويعيل أسرته في وفرة نسبية.

جميع معارفه يتوقعون له مستقبلاً مشرقًا، فهو إلى جانب مواهبه الصحافية البارزة التي لفتت إليه الأنظار، يتكئ على سمعة عائلته العريقة، ويستند إلى دعم غير محدود من حماه الذي شغل منصبًا مرموقًا في الماضي، ولا تزال له علاقات وثيقة مع كبار قيادات الدولة.

جميع الظروف المحيطة بالصحافي مطهر فضل تُشير إلى أن وضعه المادي سوف يتحسن باطراد، وأنه سيتقلد العديد من المناصب الحكومية الرفيعة، فهو رجل دولة من الطراز الأول.

لكن القدر يخبئ له مفاجأة غير متوقعة.. شيخ قبيلة يغتصب طفلة عمرها ثمان سنوات، ويُطلبُ منه أن يسافر إلى الساحل الغربي – تهامة – ليكتب تحقيقًا صحفيًّا عن تلك الحادثة التي شغلت الرأي العام.

حادثة اغتصاب مشؤومة، قد تحدث أمثالها كل يوم، ولكن وجه الشؤم فيها أن المطلوب منه هو استخدام براعته الصحفية لتبرئة الشيخ من تهمة الاغتصاب!

يتلقى من رئيس التحرير مبلغًا ماليًّا ضخمًا كدفعة أولى مقابل أتعابه في تمييع القضية وإخفاء الحقيقة.

يودع أسرته ويرحل إلى محافظة الحديدة، متوقعًا أن يقضي فيها يومين أو ثلاثة، وما كان ليعلم بأنه لن يراهم بعدها أبدًا.

يغادر صنعاء في الصباح الباكر ومعه حقيبة فيها مسجلة وكاميرا وكمبيوتر محمول، وملابس قليلة، ودواء للوقاية من الملاريا الشائعة في الأراضي الساحلية الحارة.

يصل ليلاً إلى قرية باب المنجل، التي حدثت فيها جريمة الاغتصاب، وبدون تأخير يذهب إلى منزل الطفلة المغتصبة (جليلة)، ويُجري معها حوارًا صحفيًّا، ويتظاهر أمامها وأمام جدها بأنه متعاطف معها.

في اليوم التالي يرسل الحوار إلى الصحيفة الحكومية في صنعاء، بعد أن قام بتحريف أقوال الطفلة وأظهرها غير متأكدة من هوية مغتصبها.. لكن رئيس التحرير لم يعجبه الحوار، وطلب من مطهر أن يُوسِّخ الطفلة أكثر كي لا يتعاطف القراء معها!

فعل مطهر ما طُلب منه على مضض، وهو يشعر بأنه يفقد ما تبقى من إنسانيته. لقد فهم أن الشيخ هو أحد رجالات الحزب الحاكم المخلصين، وأن الدفاع عنه وإخراجه من الوحل نظيفًا هو واجب وطني ومعركة حياة أو موت مع أحزاب المعارضة.

كان يعلم أن السلطة تعول عليه لإنقاذ سمعتها، فجميع صحف المعارضة تقريبًا استغلت حادثة الاغتصاب البشعة للتشهير بالحزب الحاكم وعناصره، وإظهارهم كأشخاص فاسدين ومنحطين أخلاقيًّا.

تتعقد القضية يومًا بعد يوم مع تحولها إلى قضية سياسية تثير أزمة حادة بين السلطة والمعارضة، ويغرق الصحافي مطهر فضل أكثر فأكثر في الصراع الدائر، ويجد نفسه قطعة يحركها الحاكم في رقعة شطرنج جهنمية، ورغم محاولاته المستميتة للإفلات من هذه اللعبة الخطيرة والخروج بأقل الخسائر المعنوية الممكنة، إلا أن الشيخ يُخدره ويستغل نقطة ضعفه ويرسل له فتيات سمراوات في سن المراهقة ليعاشرهن، فتنجح الحيلة ويستمر مطهر فضل يصول طولاً وعرضًا كحصان شطرنج أسود جامح.

يكافئ الشيخ صديقه الصحافي الذي دافع عنه، ويهبه إضافة إلى الفتيات الصغيرات سيارة جديدة وإقامة مريحة في فندق فخم وقات ومشروبات روحية.

يتواطأ مطهر فضل مع السلطة ويقوم بانقلاب على هيئة تحرير صحيفة من صحف المعارضة، ويستولي على الصحيفة، ويصبح هو رئيس التحرير، بينما يتم الزج بطاقم الصحيفة السابق في أقبية المخابرات.

تطلب منه السلطة التقرب من الطبيبة الروسية التي كتبت التقرير الطبي الذي يؤكد هتك عرض الطفلة، ويسهل إبعادها من البلاد تحت ذريعة اتهامات ملفقة.

يتبنى رواية الشيخ وينشر أن الطفلة جليلة اغتصبت من ولد مراهق ينتمي إلى قبيلة بني مساعد، فيتم إلقاء القبض على الولد البريء الذي يعترف تحت التعذيب بأنه هو من اغتصب الطفلة جليلة.

بدا لمطهر فضل أن القضية قد أُغلقت، وأن مهمته قد انتهت، ولكن قبيلة بني مساعد تدخل في مفاوضات مع السلطة، وتنجح في إطلاق ولدها(عطا) وتبرئته من جميع التهم المنسوبة إليه في مقابل انضمام ثلاثة آلاف رجل وامرأة من القبيلة إلى الحزب الحاكم.. وهكذا تعود القضية من جديد إلى نقطة الصفر، ويعود الشيخ في مرمى الاتهام مجددًا.

تستغل السلطة القضية لتصفية خصومها، ولاختبار ولاءات رجال الشرطة والقضاة نحوها، فتقوم بإقصاء الشرفاء من الضباط والقضاة، وتعاقبهم بطرق لا تخطر على البال، وتضع مكانهم الموالين لها من الضباط والقضاة، الذين ينفذون أوامرها دون تهاون أو تردد.

ورغم الجهود الجبارة التي بذلها الصحافي مطهر فضل في خدمة السلطة والنيل من أعدائها، فإنه هو نفسه يتعرض لمؤامرة خفية تقضي على سمعته الأخلاقية والمهنية في ضربة واحدة!

إحدى الفتيات التي أرسلها له الشيخ لتقوم بخدمته، واسمها (خاتمة)، اختفت فجأة، بحث عنها في كل مكان ولم يجدها.. ثم ظهرت قصتها في صحيفة من صحف المعارضة، وادعت أن الصحافي مطهر فضل كان يستعبدها جنسيًّا، وأنها حبلى بجنين من صلبه.. انتشرت الفضيحة في طول اليمن وعرضها، وطلبت زوجته الطلاق، وتنكر له الجميع، وأمسى بين ليلة وضحاها منبوذًا من المجتمع، وتحطم مستقبله تمامًا.

في فورة الغضب يقرر الصحافي مطهر فضل الانتقام ممن أساء إليه، وأن يعود إلى جذوره القبلية فيستعيد مشيخة قبيلته، ومن ثم يجمع حوله أشاوس الرجال ليضرب كل من سوّلت له نفسه فضح علاقته الآثمة مع خاتمة.

لقد قرر أن ينهي مسيرته كصحافي، وأن يتحول إلى شيخ قبلي شديد البأس بإشارة منه يحبس من يشاء ويقتل من يشاء.. لقد قرر أن يحرق مقر الصحيفة المعارضة التي نشرت قصته مع خاتمة، وكذلك مقر المنظمة الحقوقية التي لجأت إليها خاتمة. ووضع قائمة في ذهنه بالأسماء التي يريد مطاردتها وتصفيتها.

أحرق بدلاته الغالية وشهاداته الدراسية، وارتدى ثوبًا ومعطفًا وجنبية ومسدسًا، وعزم على شراء المزيد من الأسلحة.. وفي طريق عودته إلى صنعاء تعرضت سيارة الأجرة التي كان فيها لحادث اصطدام بشاحنة، ولقي مصرعه.

بعد وفاته تصدر المحكمة حكمها بتبرئة الشيخ من تهمة الاغتصاب، وتستند المحكمة على تقرير طبي جديد يفيد بأن الطفلة هي التي اغتصبت الشيخ فيتم الزج بها في السجن!

بعد ثلاث سنوات يتم الإفراج عن (جليلة) فيطلب الشيخ الزواج بها، ولكنها ترفض طلبه، فيرسل أعوانه لتأديبها، فتتعرض للضرب المبرح، وبعد أيام تلفظ أنفاسها الأخيرة في المستشفى متأثرة بجراحها.

مات الصحافي مطهر فضل وهو يظن أن المعارضة هي التي تآمرت عليه ضمن صراعها مع السلطة، ولم يكن يعلم أن السلطة هي التي ضحت به وقدمته قربانًا تأكله النيران لتنقذ الشيخ الثري، صاحب النفوذ الواسع. كانت السلطة بحاجة إلى إلهاء الرأي العام بقضية أكثر سخونة لتتوارى قضية الشيخ إلى الخلف وتُنسى.. وهكذا شغلت المجتمع قضية الصحافي الذي يمارس العبودية الجنسية مع الخادمات شهورًا طويلة.

لم تمتد حياة مطهر فضل منذ تكليفه بالتحقيق في قضية الاغتصاب لأكثر من 64 يومًا.. عرف فيها قمة المجد والسقوط السريع المدوي.. أثناء ما كانت سيارة الأجرة تهوي من رأس الجبل إلى قاع الوادي شعر مطهر فضل وكأن يدًا مجهولة قد رفعته من المربع الذي كان يشغله على رقعة الشطرنج، وألقت به إلى خارج اللعبة.


الرواية: أرض المؤامرات السعيدة

الكاتب وجدي الأهدل

الناشر دار نوفل- هاشيت أنطوان – بيروت

الصفحات 310

تعليقات