Accessibility links

د. ذكرى النزيلي: العمل في الصحة العامة هو أقـرب لأسلـوبـي في مساعدة المجتمعات


د.ذكرى النزيلي من نساء يمنيات قلائل استطعن تجاوز معوقات كثيرة.. وصنعت نجاحها – بجدارة – في مجال الطب، والصحة العامة الوقائية، ونالت تكريمًا دوليًّا بفوزها بجائزة الخدمة المتميزة للنساء في جنيف، العام الماضي؛ تقديرًا لدورها في مكافحة الأمراض المدارية المهملة، كما تحصلت على جائزة دولية سابقة في سلطنة عمان، العام 2007؛ لدورها في إنجاح برنامج لمكافحه فقر الدم عند النساء والأطفال في اليمن، وذلك بتدعيم دقيق القمح بالحديد وحمض الفوليك.. وهو التكريم الذي منحها حافزًا للاستمرار في تكريس تميّزها في العمل الصحي لخدمة وطنها.
«اليمني الأميركي» تحاول تسليط الضوء على بعض محطات تجربتها ومسار نجاحها كامرأة وطبيبة ويمنية تتحدى نفسها لتُحقق ذاتها.
صنعاء – «اليمني الأميركي»:

لم تكن دراسة تخصص الطب هو الهدف الذي رسمته ذكرى النزيلي لنفسها مثل محطات كثيرة في حياتها.. تقول: «لم يكن الطب مخططًا له؛ فمنذ انتهيت من دراسة الثانوية العامة بمدينة الحديدة/ غرب اليمن.. كنتُ أحلم بالالتحاق بتخصص هندسة الحاسوب في الجامعة؛ وكان الوالد – رحمه الله – يعدني بإرسالي، أنا وأختي الكبرى، للدراسة في أميركا.. نجحنا، ونلنا التفوق لتحقيق أحلامنا.. إلا أن الوالد غيّر رأيه في آخر لحظة، وخاف من إرسالنا إلى أميركا في أعمار مبكرة.. فوضعَنا أمام الأمر الواقع، وهو أن نلتحق بجامعه صنعاء.. ولأن دراسة الحاسوب لم تكن متوفرة حينها في الجامعة، فقد التحقت بكلية الطب مع عدد من الزميلات، وأنهيت دراسة الطب بنجاح».

بريطانيا
وتتابع النزيلي سرد حكايتها مع دراسة الطب، حيث تَحقق حلمها لاحقًا، واستكملت دراستها في الخارج…:» درستُ في اليمن أول تخصص في مجال طب الأطفال.. بعد أربع سنوات حصلتُ على منحة من المجلس البريطاني للدراسة في بريطانيا، فتخصصتُ في مجال طب المواليد في «الامبريال كولج» لندن.. ثم عُرض عليّ وقتها العمل في نفس المستشفى الذي تخصصت به، وتم اختياري من بين جميع الطلبة الأجانب، وتم إعفائي، من امتحان المعادلة البريطانية للأجانب، الذي كان ضروريًّا لقبول أي أجنبي أن يعمل في بريطانيا.. ووافقت على الفور.. لكن طارئًا عائليًّا جعلني أعود لليمن بأسرع وقت واستقرُّ بها، وكلي حزن ثم اندهاش من المستشفى التي وقّعت عقد العمل فيها «هامر سميث»، التابعة لـ»الامبريال كولج».. لكني رضخت وآمنت بأنه مقدّر ومكتوب».

الصحة العامة
عادت د. ذكرى النزيلي إلى صنعاء، وتنقلت في المراكز الصحية إلى أن عملت بمستشفى السبعين رئيسًا لقسم المواليد والخُدّج لمدة عامين…:».. حاولتُ إنجاز الكثير واستطعنا النهوض بالقسم؛ لكني حوربت بسبب النظام الجديد الذي حاولت إقراره للقسم؛ وذلك من قِبل بعض المفسدين؛ فقررتُ الاستقالة خاصة بعد تهديدات تلقيتها، ولم تستطع إدارة المستشفى عمل شيء، واكتفيت بعيادتي الخاصة، لكني لم أكن ممن يقبل بالحياة الروتينية لأجل المال فقط.. تلقيتُ عروضًا من مستشفيات يمنية أهلية، ولم أوافق».


بدأتْ النُزيلي العمل مع المنظمات الدولية في تخصص جديد (الصحة العامة والوقاية)، وكانت بذلك تبدأ مرحلة مهمة في مسيرتها…:» حانت الفرصة عندما تقدمتُ لوظيفة في منظمة «يونيسيف» بمجال التغذية الصحية، كوني كنتُ، وأنا رئيس قسم المواليد من الناشطات في مجال تشجيع الرضاعة الطبيعية من الأم.. وحصلتُ على الوظيفة بالرغم من أني كنت تقدّمت للدراسات العليا خارج البلد.. علمتُ أن قدري هو خدمة الوطن من داخله.. عملتُ لفتره غير بسيطة، وتشبعت بخبرات في مجال الصحة الوقائية، وأحببتُ هذا التخصص، وعرفتُ أن اليمن بحاجة له؛ فمنْع المرض قبل حدوثه أفضل بكثير من محاوله منع المضاعفات.. بعدها حصلتُ على وظيفة مرموقة مع البنك الدولي؛ ومنها تخصصت في مجال الصحة الوقائية بالسويد، وبدأتُ أعمل في شتي مجالات الصحة العامة، ومنها مجال الأمراض المدارية المهملة».
وكما تؤكد النُزيلي فإن ما تحقق لها لم يكن مخططًا له، بل كان نتاج الشغف بالعمل وحب العطاء.. «كنتُ أسافر كثيرًا، وأتلقى عروضًا مغرية؛ منها وظيفة بالسويد كإخصائية للأطفال بمستسقي تخصصي، لكني شعرتُ أن العمل بالصحة العامة والوقاية هو أقرب لشخصيتي وأسلوبي في خدمة المجتمعات منها للعمل الروتيني بالمستشفيات…فلم أوافق ورجعت لليمن للعمل مسؤولاً عن برامج في مجال الصحة المدارية، لكن من خلال (الامبريال كولج) في لندن».

محطات
مرت تجربة د. ذكرى بمراحل عدة؛ درستْ خلالها تخصصات عدة، وعملت في محطات مختلفة، وكانت علاقتها الخاصة بمجال الطفولة هي البوابة التي انطلقت منها إلى آفاق عدة…»، دراستي للطب أولاً، ثم تخصصي بمجال الأطفال والمواليد، ثم دراستي لتخصصات مختلفة خارج الطب، مثل: دراسة تنميه الطفولة المبكرة؛ وهو تخصص في رياض الأطفال، وكيفية تقديم الدعم النفسي والتعليمي لصغار الأطفال في مرحلة الحضانة وما قبل الدراسة»، وتضيف د. النزيلي: «ساعدني في هذا تنوع مداركي في مجال الطفولة، والذي فتح لي أبوابًا كثيرة في العمل مع المنظمات، حيث كنتُ بجانب عملي هناك قد عملتُ على تأسيس برنامج تنميه الطفولة المبكرة.. وأيضًا تم الاعتماد عليّ في تنسيق برامج الإغاثة والطوارئ في أثناء حرب صعده في العام 2004».
خلال التحاقها بدراسة تخصصات أخرى في لندن وكندا والسويد.. كانت النزيلي تنال فرص عمل مع عدد من المنظمات، «كعملي استشارية تغذية وأمن غذائي للوكالة الأميركية للتنمية في اليمن، ثم في برنامج الغذاء العالمي في طاجكستان، ومستشارة صحية في مجال الأمراض المدارية بمنظمة الصحة العالمية في السودان ومصر».
الإصرار
لم يأتِ هذا النجاح من فراغ؛ فثمة عوامل ساعدتها بِدءًا من الأسرة، ومن ثم الطموح والإصرار على تحقيق ما تراه صحيحًا.. تقول: «لا أنسى والداي اللذين كان لهما أثر كبير في نجاحي.. كنا ثلاث شقيقات بدون إخوة، لكن التشجيع من الوالدين كان له الأثر في تجاوز التحديات التي اعترضتنا من المجتمع البعيد والقريب لإثنائنا عن الدراسة والعمل، وبالذات أنا؛ لأني الوحيدة التي استطاعت أن تقاوم وتعمل وتستمر رغم التحديات الاجتماعية المستمرة.. كل ذلك لم يثنيني عن الاستمرار في خدمة مجتمعي وأسرتي ونفسي أيضًا.. فشلتُ أحيانًا، وتألمتُ كثيرًا، لكني بدون إدراك كنت أنهض أقوى مما كنت».

الحرب
*كيف ترين دور المنظمات الدولية في مساعدة اليمن حاليًّا.. هل تؤدي دورها، أم أنها المستفيد الأكبر، وفق ما يُقال؟
– في الحقيقة الكل مستفيد.. اليمنيون المسؤولون مستفيدون، والعاملون في المنظمات مستفيدون، وأيضًا الدول المانحة مستفيدة.. مَن لا يستفيد استفادة كبيرة، ربما هُمّ المحتاجون لهذه المعونات، والذي أقصده أن الدعم يصل لهم، لكن ليس بالشكل المطلوب، ثم للأسف بعض الحكومات، مثلما يحدث باليمن، هي مَن تضيّع حق العوز للخدمة، بسبب الفساد والخروقات التي تمارسها هذه المؤسسات على هذه المنظمات.. أنا أؤمن – دائمًا – أنْ لا وجود لقوي إلا بوجود الضعيف الذي يسمح له، ولا وجود لمستغل إلا بسماح صاحب الحق باستغلاله.

*وماذا عن معاناة المرأة والأطفال في بلادك جراء الحرب؟
– في وقت الحرب تزداد المعاناة بالتأكيد بسبب شيوع الإهمال بكافة أشكاله وتعطل مؤسسات الدولة، حيث نقصت معظم الاحتياجات الأساسية للعيش؛ فتفشت الأمراض وقتلت الكثير من الأطفال والنساء، وتعرضت النساء لكافة أشكال التهميش والمعاناة، وكذلك الأطفال، حيث زادت نسبة أطفال الشوارع، وزادت عمالتهم وتسربهم من المدراس.

* في الأخير.. ما الصعوبات التي تواجهك في عملك الآن؟
– ثمّة صعوبات عامة وخاصة.. أما العامة، ففي العمل؛ كوني امرأة بالدرجة الأولى، ثم يمنية بالدرجة الثانية.. نبذل أضعاف المجهود حتى نثبت أننا قادرات على العطاء.. والخاصة – حاليًّا – هي صعوبة الحصول على فيزا لدخول العديد من الدول بسبب الأحداث الجارية في اليمن، والتي خلقت صعوبات كثيرة لليمنيين، وهو ما يحدّ من تنقلاتهم لبعض الدول.. لذلك أصبح السفر صعبًا بالنسبة لي لحضور الفعاليات، حتى وإنْ تدخلت جهة العمل؛ فبعض الدول لا تقبل أي دعم.. أما بقية الصعوبات الخاصة الاجتماعية فلم تعد موجودة، ولله الحمد..

تعليقات