Accessibility links

اعترف بأنني سئمتُ كثيراً من “صفاء البياري” ولم أعد قادراً على مواصلة علاقتي معها، فقد أتضح لي أنها امرأة كاذبة، ولا تختلف كثيراً عن مثيلاتها من النساء؛ فهي لا تجيد سوى الثرثرة، جمل كبيرة تقولها وهي تمط شفتيها اللتين تلوكان الدخان الأزرق الذي يتصاعد من سجائر الجيتان التي تدخنها دائماً، لا أعرف لماذا اختارت هذا النوع من لفائف التبغ الأسود ذي الرائحة الثقيلة؟!

يحيى رباح

ربما من أجل أن تتظاهر بأنها إنسانة مختلفة، وأنها مثقفة -على حد التعبير الشائع- تبرطم دائماً بكلام غير مقنع عن حرية الانسان وثقافة ما بعد الحداثة وسلامة البيئة، نعم.. لقد سئمت كل هذا مع أنني لم أتعرف علي “صفاء البياري” إلا منذ بضعة شهور فقط، امرأة مطلقة ولا تحب هذه الكلمة بتاتاً، وتقول إنها انفصلت عن زوجها في الخامسة والثلاثين، وهذا أمر غير مؤكد، وعندما يسألها أحد عن عمرها تقول وهي تمط شفتيها: لم أعد طفلة صغيرة. لا أعرف كيف جذبتني عندما رأيتها لأول مرة، كنت قد مررت بتجارب عاطفية فاشلة وسبب فشلي هو الكذب، كم أكره الكذب، والنساء اللواتي ارتبطت بهن في العشرين سنة الأخيرة يجدن الكذب، يكذبن كما يتنفسن، قلت هذا التعبير مرة وأعجبت به؛ فبقيت أكرره كلما فشلت مع امرأة أخرى، وعندما رأيتها تكوّن لدي انطباع سريع ثبت فيما بعد بأن هذه المرأة هي بغيتي، المرأة التي بحثت عنها طويلاً، لقد وجدتها متدفقة في الكلام، جريئة وصريحة، إذن هي صادقة، وهذا كل ما اتمناه في المرأة التي أريد أن أضع قلبي بين يديها وأنام بين ذراعيها وأغفو بطمأنينة كاملة، وطبعاً لا استطيع أن أذكر الأشياء الأخرى التي جذبتني إليها.. وبسرعة قياسية توطدت العلاقة بيننا أخذتني معها إلى عالمها.. بشر يعيشون في شلل صغيرة يعملون في مهن مختلفة غالباً ما تكون هامشية يتبادلون كل شيء.. في مدينة تبدو من الظاهر متحفظة ومتزنة، لكنها في حقيقة الأمر تحتضن في جوفها مدينة أخرى نهارها متجهم مثل اليافطات القماشية المكتوب عليها شعارات سياسية متجهمة وليلها ملون ومليء بالجنون.. وهكذا أخذتني “صفاء البياري” إلى مدينة كنت أعيش فيها ولا أعرفها؛ فأنا أقرأ عناوين الصحف ولا أهتم بتفاصيل ما بين السطور، وأعرف الشوارع الرئيسة، ولا اتسرب إلى الشوارع الخلفية التائهة في الظلال، آه كم كنت إنساناً سطحياً ذا بعد واحد قبل أن أعرف “صفاء البياري”.. المهم أن علاقتي معها انتهت وأضيفت إلى قائمة علاقتي الفاشلة واتخذت قراري النهائي بالارتحال عن هذا النمط من الحياة والابتعاد عن أوساط المثقفين العاطلين عن العمل والنساء اللواتي يحشرن أجسادهن في سراويل الجينز الضيقة، ويهدرن الساعات الطويلة في تدخين السجائر وتناول السندويتشات.. ويبدو أنني تحت تأثير هذه الهواجس اتخذت أخطر القرارات في حياتي، وهو الزواج من “أمينة الساكن” أول أنثى وجدتها أمامي بعد خلاصي من محنتي مع “صفاء البياري”، حدث ذلك عندما ذهبت عند أقرباء لي في الضاحية القريبة من المدينة على بعد دقائق فقط بالسيارة، وقد لفت انتباهي بقوة حالة الخجل الشديد والارتباك الواضح الذي ظهر عليها عندما دخلت بيت أقربائي ووجدتني أمامها رجل غريب ويبدو أنها لم تواجه رجلاً غريباً من قبل.

لا أستطيع أن أصف بدقة تعابير الخجل والارتباك التي ظهرت على وجهها، ارتدت إلى الخلف وأسرعت تغادر الفناء؛ كأنها ظبية مذعورة.

وقالت زوجة قريبي:

إنها خجولة مثل طفلة

هل هي جارتكم؟

نعم ..الحيط في الحيط.. أهلها أناس طيبون للغاية، وهي فتاة حلوة مثل كوز العسل.

وعندما لذت بالصمت أكملت زوجة قريبي

اسمها أمينة وعمرها ثماني عشرة سنة فقط، يا بخث من تكون من نصيبة

ولكنها صغيرة

من قال ذلك.. أصغر منها بسنتين في هذه الضاحية متزوجات ومعهن أولاد

وكنت اعتقد أن هذا الحديث ما هو إلا حديث عابر، لكن هروبي من تجاربي العاطفية الفاشلة، ومن النساء الكاذبات الملونات جعلني أكرر الزيارة.. وهكذا وجدت نفسي أتزوجها.. أخطو معها إلى عالم جديد ملي برائحة أول المطر فاكهة أول المواسم وارتعاشة اللحظة الأولى، امرأة تصغرني بأكثر من عشرين سنة تأخذني إلى نعيمها وتعلمني أن الصدق ليس مجرد كلمات…تشعرني المقارنة…

القديمات الكاذبات أجسادهن سجاجيد ناسلة وشفاههن قطع مصبوغة من الفلين وقلوبهن قناديل مطفأة من أول الليل، أما حمامتي الصغيرة “أمينة” ظبيتي الخجولة الممهورة بمشاعر الصدق والطهارة شجرة تفاح التي تطرح ثمارها الحلوة للمرة الأولى فهي شيء آخر عالم آخر دنيا جديدة وكل يوم اسأل نفسي:

هل استحق كل ذلك.. من الجحيم إلى النعيم، من جفاف الحلق ونشاف الريق إلى فيض الينابيع؟..

أحاول أن انتمى إلى جنتي الجديدة إلى بداية ما بعد الأربعين مع امرأة لم تفقد بعد انبهار البراءة في بدايات الخريف. بدأ أصدقائي القدامى يفتقدوني تضغط عليهم غيبتي يشعرون بانفلاتي عن السرب فلاحقوني، امتدت خطواتهم إلى طريق الضاحية، حتى “صفاء البياري” جاءت الأخرى تبارك للطفل الكبير لعبته الصغيرة، وللذئب العجوز طريدته الطرية، هكذا قالت لمن كانوا يرافقونها من شلة الأصدقاء القدامى وقلت في نفسي محاولاً تهدئة الهواجس

-لا بأس أنه مجرد هجوم أخير، ورقة تسقط في فراغ الزمن..

…..

سفير فلسطين السابق بصنعاء

تعليقات