Accessibility links

بقلم: عبدالباري طاهر*

الحدث القومي الكبير في الـ 23 من يوليو 52 في مصر بقيادة رائد القومية العربية جمال عبد الناصر ما يزال الحدث الأبرز؛ فهو يمثل خلفيةً وأرضيةً أساسية لتطور الأحداث في المنطقة كلها حتى اليوم.

Advertisements

قبل يوليو دار الجدل والحوار من حول معنى ومفهوم الأمة والقومية العربية في الحقبة النفطية كما يشير المفكر اليساري د. فؤاد مرسي. أعيد طرح الأسئلة عن وجود الأمة العربية أصلاً، وطرح قضية وجود أمم عربية عديدة بعدد الأقطار. وفريق آخر ذهب إلى وجود أمة عربية قد تشكلت بالفعل زمن الفتوحات الإسلامية، لكنها تمزقت فيما بعد بفعل الاعتداءات الخارجية، وبخاصة في مرحلة الإمبريالية. وفريق راح يؤكد على اللغة الواحدة؛ لينفي وجود الأمة العربية مكتفياً بقيام ثقافة عربية تجمع كل العرب. وفريق رفض فكرة الأمة العربية بالمرة، ورفض معها أي فكرة قومية على أساس أنه لا توجد سوى أمة واحدة هي الأمة الإسلامية.

نزعة حصر الأمة في الأقطار العربية في كل قطر قديمة وتعود إلى مطلع القرن العشرين أو بالأحرى مع بداية تشكل الدولة القطرية. وقع الشيوعيون العرب في بلاد الشام في مأزق تسميات الأمة السورية والأمة العراقية… إلخ، وهو ما تصدى له إلياس مرقص في كتابه «الستالينية والمسألة القومية»، وقد اشتركت أطراف عديدة في هذه التسميات غير العلمية؛ فالأحرار اليمنيون كانوا كثيراً ما يتحدثون عن «الأمة اليمنية» ، وشاع الاستخدام في مصر«الأمة المصرية»، كما دعا لطفي السيد في مصر، وتابعه علال الفاسي في المغرب العربي، وتشكل حزب الأمة في مصر (الحركة الوطنية الأم) مما يعني تسيد الفكرة في مرحلة معينة.

وضع ستالين في كتابه «الماركسية والمسألة القومية» تعريفاً علمياً دقيقاً لمفهوم الأمة. المفكرون القوميون، وبالأخص في بلاد الشام، هم الأكثر اهتماماً بهذه القضية: قسطنطين زريق «الوعي القومي»، وعبد الله العلايلي «دستور العرب القومي»، وعلي ناصر الدين «قضية العرب»، والأكثر أهمية كتابات ساطع الحصري، وإلياس مرقص، ومحمد عودة، وياسين الحافظ، وزكي الأرسوزي، وميشيل عفلق، ومنيف الرزاز، وفيما بعد كتابات علي الوردي، وعبد الله العروي، وعزمي بشارة، وعبدالإله بلقزيز ، وفوزي منصور و أنور عبدالملك.

ثورة يوليو وضعت القضية القومية في السياق الثوري الواقعي والعملي، وأعطت للنضال القومي أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأمة عربية حقيقية تتوفر لها كل مكونات الأمة: اللغة، التاريخ العام، التكوين النفسي، الأرض الواحدة، والمصير المشترك.

على الصعيد المصري كان هناك مساران: مسار حكم وزارات الأقليات المتعاقبة والألعوبة بيد القصر والاستعمار البريطاني، وتعبر عن الليبرالية المعلولة التي انتقدها المفكر عبد الله العروي في كتابه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة»:”وهكذا يجري إنقاذ المعتقد مرة أخرى؛ وذلك لأن كل تنظيم تقليدي استبدادي يعتبر بقرار أنه غير إسلامي، وفي الحين نفسه يماط اللثام عن المستقبل: فلننظم ديمقراطية تمثيلية وستعود إلينا القوة مجدداً. وستنصب أنهار من البلاغة على أقدام الحرية الخلاقة، وهذا الأمل العظيم منظوراً إليه الآن بعد سنين كثيرة يتخذ بالنسبة للكثيرين الوجه الكئيب لشبيبة خانها القدر. هذه الرؤية المثالية التي تتضمن في ذاتها التشخيص والعلاج في وقت معاً ما تزال موجودة في جميع البلدان العربية، وهي- أي هذه الرؤية العربية- في بعض البلدان كمصر، حيث فقدت رصيدها بسبب إخفاقها. تجرؤ بصعوبة على إسماع صوتها حيناً بعد حين في الجامعة أو البرلمان وفي غيرها من البلدان كالمغرب ما تزال لديها الكفاية من الثقة بنفسها بحيث تظهر مكشوفة الوجه”. ص36 .

الوضع قبل فجر الثورة

بدأت -كما يشير مؤرخو الحركة الوطنية المصرية- الدعوة للدسترة مبكرة، وتحديداً عام 1900. فشهدي عطية الشافعي أحد أهم قيادة الحركة الديمقراطية للتحرر يشير في كتابه المهم «تطور الحركة الوطنية المصرية» أن الدعوة للجلاء وللدستور بدأت عام 1900. كتب مصطفى كامل:” إن هذه البلاد في حاجة إلى مجلس نيابي يكون له السلطة التشريعية الكبرى، فلا يسن قانون بغير إرادته. إن بقاء السلطة المطلقة في يد رجل واحد سواء كان مصرياً أو أجنبياً يضر بالبلاد كثيراً، ويجر عليها الوبال”.

اعتبر شهدي ذلك بداية انفصال الحركة الوطنية عن المعارضة الإقطاعية. بدأت تتشكل نواة الحركة الوطنية الموجهة ضد الاحتلال والمطالبة بالدستور: مجزرة دنشواي، وبداية تأسيس الحزب الوطني 1907. ترسخت القناعة باستحالة وجود ديمقراطية في ظل وجود الاستعمار؛ فالاستعمار والإقطاع في وادٍ والشعب في وادٍ آخر كرؤية مصطفى كامل. وبدأت المظاهرات والإضرابات يرتفع صوتها مطالبة بالجلاء والدستور والاستقلال، وابتدأ الترابط بين المثقفين والطبقة العاملة، وجرت مظاهرة في 1909 ضد فرض الاستعمار قيوداً على الصحافة، وشارك في التظاهرة الشباب من طلاب المدارس العليا والأزهر والتجار والصناع، وبدأ إضراب العمال يتصاعد، والحريات الصحفية تقوى وتشتد، وتتكون هيئات المجتمع المدني؛ فازدادت حملات القمع والاعتقالات، وصولاً إلى ثورة 1919.

ارتفع صوت سعد زغلول زعيم الوفد:”لا محل لدوام الأحكام العرفية، ولا لمراقبة الجرائد والمطبوعات”. عندما اعتقل الاستعمار زعيم الوفد، وأوغل في القمع والإرهاب تحرك الطلاب والعمال والفلاحون في تصعيد الإضرابات والمظاهرات وما يشبه العصيان المدني، والانتفاضات المدنية في العديد من أرياف مصر، ولعل أهم إنجاز حققته ثورة 1919 هو إلغاء الحماية، بينما احتفظ الاستعمار بحكم غير مباشر.

في العام 1925 – 1945 بدأ الكفاح الديمقراطي والسلمي يتسع أفقياً ورأسياً، ويجذب فئات واسعة من الطلاب والعمال والفلاحين والتجار وشرائح واسعة، ويتركز النضال السلمي ضد السراي والإقطاعيين والاحتكار، ويتصادم مع القصر وأحزاب الأقليات، وضداً على التضييق على الحريات العامة والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، والأهم الحياة النيابية والدسترة، وبمقدار ما يتزايد القمع والتدخل الاستعماري كانت الاحتجاجات تتسع وتشتد.

بعد إلغاء دستور 1923 تركز النضال إبان الحرب العالمية وقبلها تركز الكفاح السلمي لإعادة دستور 1923، كما تركز ضد التدخل البريطاني في الشأن الداخلي وفضح الاستقلال الشكلي. في هذه الفترة الممتدة من 1925 إلى 45 التجأ القصر والاستعمار إلى التلاعب بالانتخابات وتزييفها وتفريخ أحزاب والتلاعب بها، وبالأخص السعديين، والدستوريين – أحزاب الأقليات-، والعمل على إضعاف الوفد، وتشجيع الانقسامات في هذه الأحزاب، وبالأخص في الوفد، والتلاعب بالحياة النيابية والسياسية، وفرض المعاهدات المفروضة، وبالأخص معاهدة 1936 والمواجهة شبه المستمرة مع النقابات العمالية والحركة الوطنية بعامة.

بعد الحرب العالمية الثانية بدأ الوفد برفع شعار الجلاء، ووحدة وادي النيل، لكنه كان قد ضعف بتوقيع معاهدة 1936 بالتواطؤ مع الاستعمار.

في كتاب «ما بعد الرأسمالية»: يشير المفكر سمير أمين أن عرب المشرق لم تعِ خطورة الاستعمار وعياً صحيحاً؛ إذا أنهم تحالفوا مع الإنجليز للتخلص من الاستبداد التركي دون إدراك تام بنيات الاستعمار؛ فاستغربوا حين خدعهم الإنجليز بعد الحرب. هذا في وقت كان الشعب المصري يثور للتحرر من الاستعمار، فقد أدت هذه الظروف المشؤومة إلى تقوقع البرجوازية المصرية اللبرالية الوفدية على الوطنية القطرية، وظلت الأوضاع على ذلك إلى أن أتت الناصرية، فتجاوزت النظرة القطرية الضيقة، واستعادت الرؤية المستقبلية السلمية، أي عروبة مصر، ووحدة الوطن العربي. هكذا تكون شعور قومي عربي له طابع خاص، إذ يشمل انتماء مزدوجاً للقومية العربية، والوطنية القطرية في بعض البلدان على الأقل.


*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

Advertisements

تعليقات