Accessibility links

بشير الذي وقع بجواره الصاروخ ونجا من الموت


وجوه من اليمن

في الأول من سبتمبر 2016 الساعة التاسعة صباحاً، وقع صاروخ على ميدان التحرير، ولكنه لم ينفجر. وقع على بعد عشرة أمتار تقريباً من بسطة بائع الكتب المستعملة، الشاب بشير محمد سعيد الخديري، الذي غادر قريته في تعز قبل عشر سنوات ليجرب حظه في صنعاء.  صحيفة اليمني الأمريكي أجرت حواراً مع هذا الشاب الذي نجا من الموت، ولم يرحل من موقعه، وما يزال يقدم للمثقفين والطلاب كتباً قيمة بأسعار زهيدة:

( بالنسبة لهذه الأيام الظروف قاسية على الناس كلها.. فنحن نساير الوضع.. ولكن من أول كنا نحصل عيشة ونحصل فائدة.)

الصاروخ الذي سقط بميدان التحرير بصنعاء

 

  • كم صار لك وأنت تعمل في بيع الكتب المستعملة؟
  • لي في هذا العمل في حدود ثماني سنين.

  • من أين تحصل على الكتب؟
  • بعضها يأتي من أصحاب المنازل، تكون مخزونة داخل البيوت من زمان.. يموت الأب أو صاحبها الأصل ويقوم الورثة ببيعها، أو أحياناً صاحبها نفسه يقوم ببيعها، إذا هو يعيش في بيت ضيق، وبخاصة إذا كان البيت إيجار، أو فكر ينتقل من بيته إلى بيت آخر، وعنده كمية كبيرة من الكتب، فيستدعيني ويعرضها عليّ، أو يأتي بها إلى هنا ونشتريها منه.. وأحياناً نشتري من المكتبات كتب معينة عليها طلب من الزبائن.. أحلى الكتب الثقافية والقديمة والنادرة ما تأتي إلا من داخل البيوت.

  • هل تقرأ الكتب؟
  • نعم، اقرأ الكتب السياسية، وبالذات الكتب المتعلقة بالزعامات السياسية القديمة أقرؤها.

  • هل هذا العمل مربح؟
  • بالنسبة لهذه الأيام الظروف قاسية على الناس كلها.. فنحن نساير الوضع.. ولكن من أول كنا نحصّل عيشة ونحصّل فائدة.

  • قبل عام 2011 كيف كان الوضع؟
  • قبل 2011 كان كل شيء متحرك.. إذا عملت أي عمل تلاقي مكسب.. مش فقط الكتب، أي عمل تعمله ستشتغل.. لكن من بعد الثورات معروف الوطن العربي تدمر.. غلاء.. أعمال ما فيش.. الشركات متوقفة.. كل شيء متوقف.. وحتى الموظف المسكين الذي راتبه موقف من خمسة أو ستة أشهر يعاني.. فما بالك بالبائع المشتري لمن يبيع والناس بدون رواتب؟!

  • من هم أكثر الناس شراءً للكتب؟
  • الموظفين والطلاب.. ولكن الآن مع أزمة الرواتب أكثر الذين يشترون الكتب هم كبار السن.

  • وماذا عن المرأة؟
  • حوالي نصف الزبائن هم من النساء.. وأكثر ما تشتريه المرأة اليمنية الأدب والروايات.. تمشي بصورة خيالية.. تمشي “قرعة”.

  • وماذا عن الكتب السياسية؟
  • بالنسبة لكبار السن هم يفضلون شراء الكتب السياسية، وكلما كان الكتاب قديماً نفق بسرعة.. وإمكانية بيعه أفضل من الكتب السياسية الجديدة. مثلاً إذا معي الآن كتب في التاريخ أو السياسة يكون تاريخ صدورها ما قبل 60-70 سنة، فأنا أتصل بالزبون اتصال.. لأنهم يحبون اقتناء هذه الكتب القديمة.

  • أغلى كتاب بعته؟
  • أغلى كتاب تصل قيمته إلى 2500-3000 ريال.

التمزق في لوحة الإعلان يشير إلى عبور الصاروخ إلى الضفة الأخرى من الشارع

 

  • هل تدفع لجهة معينة مقابل السماح لك بعمل هذه البسطة؟
  • أنا لا أدفع شيئاً، وهذا حال جميع بسطات الكتب في الميدان. وإذا أحد تحرش بنا فنحن نقوم بإبلاغ وزارة الثقافة، والوزارة تقوم بمنعهم.

  • هل وزارة الثقافة لها علاقة بكم؟
  • عملنا اجتماع مرة واحدة مع القائم بأعمال وزارة الثقافة الأستاذة هدى أبلان، ومنحت لنا تراخيص من وزارة الثقافة. وقبل فترة عملنا معرض الرصيف، وافتتحته الأستاذة هدى أبلان. أيام الوزير الأستاذ خالد الرويشان كان يأتي إلى هنا ويشتري كتب من جميع البسطات بعشرين ثلاثين ألف ريال كتشجيع لنا.. كان مشجع للثقافة بشكل كبير جداً.

  • هل جاء وقت أرادت البلدية طردكم من الميدان؟
  • أحياناً تحصل حملات مثلاً إذا هناك احتفالات، فيطلبون منا أن نعزل يومين ثلاثة حتى تنتهي الاحتفالات.. فنحن نقول لهم احتفلوا كما تشاءون ولكننا لن نغادر، المهم المكان نظيف، ونحن نتحمل مسئولية المحل.. هم يقولون إنهم خائفون أن يحدث شيء.. فأقول لهم أنا أتحمل المسئولية، وأكتب لهم تعهد. أحياناً تأتي البلدية إذا المكان موسخ، إذا صاحب البسطة يوسخ المكان، فهم يأتون ويمنعوه وهذا من حقهم. لكن مثلي أنا والله ما أرقد إلا وقد نظفت المكان، ما تنظفوش البلدية هكذا.

  • وماذا عن أسرتك؟
  • الوالد توفي الله يرحمه، والأخوان والأخوات كل واحد طالب الله على بطنه.. لا لست متزوج، ولكن قريب إن شاء الله.

  • أين كنت عندما سقط الصاروخ على ميدان التحرير؟
  • كنت مفرش مثل ما أنا الآن.. الساعة 9 وأنا أرتب الكتب، شفته وقت ما سقط.. انطرح قرب سيارة كانت واقفة هنا ولم يقع بها حتى “بقش” خدش.

  • ألم تفكر أن تغير مكان بسطتك بعد سقوط الصاروخ؟
  • لا أغير المكان ولا شيء.. لأنه أينما نقلت وأينما سرت فالمكتوب من الله هو سيصيبني .. ليش إذا طرت من هنا سأحافظ على رأسي! ما حافظ عليه إلا ربي مش هو أنا!

  • هل تفكر أن تترك هذه المهنة وتبحث عن مهنة أخرى؟
  • لا.. لأني هويت هذه المهنة. اشتغلت قبلها في جميع المهن، السواقة، الكهرباء وغيرها.. فأنا هويت هذه المهنة لأنني استفدت منها.. استفدت مادياً، واستفدت معلومات، وأيضاً تشجيع للناس ليقرؤوا الكتب.. لكن ظروف الحرب هذه دمرت الإنسان.. بدل ما الإنسان يبتني الآن يتحطم.. لا يمكن إن الإنسان يرتفع من الحرب.. ما فيش إلا تحطيم.. لكن نسأل الله أنه يكفينا شر الحروب.

تعليقات