Accessibility links

وجدي الأهدل*

السفر

Advertisements

سقط ستالين على أرضية الغرفة مشلولاً وعاجزاً عن الكلام.

حطتْ حمامة ذات ريش أسود وغرة بيضاء على النافذة، وأخذت تحدق من زاويا متعددة في ستالين المُلقى على ظهره، ثم راحتْ تهدلُ مُذيعة النبأ.

قبل دقائق فقط، كان قاعداً على المرحاض يزحرُ بكل قواه لتنظيف أمعائه من الفضلات، وشعر بالدماء تسيل من شدة ضغطه على عضلات الشرج. هاهو اليُبس يطارده ويكاد أن يقهره؛ لقد دمعتْ عيناه ولكنه لم يستسلم، كزَّ على أسنانه حتى صدرت منها طقطقة سحجها ببعضها. ثم فجأة رجع رأسه للوراء وكأنه تلقى رصاصة، وسمع في داخل جمجمته صوت تَكَّة كطرقة على الباب.

تقيأ وخرج من الحمام مترنحاً غير قادر على تمييز الاتجاهات. ثم أخذ ذهنه ينشط بطريقة مختلفة.. تهيأ له وكأنه دخل إلى الحمام مرة أخرى، وعندما رفع غطاء المرحاض صعد من الماء قرد له ضحكة بشرية، ثم قفز متشبثاً برأسه، فأصابه رعب لا يُوصف وغاب عن الوعي.

 

الفرز

سأله الملاك: “ماهو عملك؟”. تلمس ستالين ذراعه غير مصدق أنها عادت سليمة: “موظف في الأرصاد الجوية”. دوَّن الملاك جوابه في كرة تتكون من ترليونات أحجار الألماس؛ أخذت كرة الألماس بالدوران وصدر منها وميض يخطف الأبصار وطنين يزعزع الأفئدة، ولما توقفت، تراص الألماس الأسود فظهرت نتيجة ستالين “معلم في مدرسة الحوريات”.

طفتْ ابتسامة ظافرة على ثغر ستالين وقال في نفسه:”لقد ربحتُ الحياة الأبدية في الجنة”.

أثناء الرحلة ارتدى جلد ملايين النساء والرجال الذين عذبهم، وذاق آلامهم جميعاً دفعة واحدة.. لقد تلقى شحنة ألم متزامنة تبلغ سرعتها سرعة الضوء، وتساوي شدة إهلاكها جاذبية ثقب أسود.

التعارف

وضعوني في قصر فخم يليق ببرجوازي متعفن. لم يكن لدي ما أفعله، كنت أعيش حياة أولئك الأغنياء المنحلين العاطلين بالوراثة.

قضيتُ أغلب وقتي في النوم وكأن ذبابة تسي تسي قد لدغتني، ورأيتُ ملايين الأحلام، ولكن ولا واحد منها علق بذاكرتي، كان الحلم يتبدد ليحل محله حلم آخر وهكذا. ما هي نوعية الحياة في الجنة؟ إنها ليست سوى أن تنام وترى أحلاماً.. لاشيء واقعي البتة.

صحوتُ على صوت طرقات على الباب الخارجي لقصري فهرعتُ لفتحه، وقلت في نفسي حتى لو كان الطارق أسداً جائعاً فأهلاً به ولن أمانع  مطلقاً أن يلتهمني، فقد تعبتُ من هذه الأبدية الخاملة المُجزأة بين ملايين لا تحصى من الرؤى والكوابيس.

فتحتُ الباب فإذا بي أمام منظر مذهل، رأيتُ على مد الأفق بحراً من الحوريات الفائقات الجمال؛ كن ينظرن إليّ بمودة وينتظرن مني أن أدعوهن للدخول، ولكنني تجمدتُ كتمثال برونزي وعجز لساني عن النطق، ذلك لأنه لم يسبق لي من قبل أن رأيتُ هذا الطوفان من الأجساد العارية.

اخترق صفوفهن فحل وحيد يرتدي حلة أنيقة، متوسط القامة، رشيق القوام، طويل الوجه، واسع الجبين، أشقر اللحية والشاربين، عيناه فيهما بريق ذكاء حاد، وفمه بديع التكوين يعطي انطباعاً بنهم صاحبه للطعام وشبقه للنساء.

اقتربَ مني مبتسماً وصافحني مُعرفاً بنفسه: “وليام شكسبير، أستاذ مادة المسرح في الأكاديمية”. شعرتُ بالارتياح الفوري له، ولولا الحياء لعانقته. بادلته الابتسام وعرَّفته بنفسي: “جوزيف ستالين”. ثم استدركتُ بلباقة: “ولكنني حتى الآن لا أعرف ماذا سأدرس، ربما سأعلمهن التنبؤ بالطقس!”. ضحك شكسبير متوهماً أنني ألقيتُ طرفة. قال شكسبير وهو يشير بذراعين مفتوحتين إلى الصبايا العاريات: “وهؤلاء طالبات الأكاديمية جئن للترحيب بك، فهل تسمح لنا حضرتك بالدخول؟”. ما كدتُ أنطق بـ”تفضلوا” حتى تدافعن أفواجاً إلى قصري، فلجأتُ إلى ركن حصين مبعداً نفسي عن طريقهن ولغطهن المرح.

شبك شكسبير يده بيدي وهو يتأملهن مزهواً: “إنهن فضوليات، والفضول كما تعرف صفة أنثوية أصيلة هاها!”. جاريته في الضحك، رغم أني لم أفهم ما هو المضحك في كلامه، ولكنني أحسستُ من توقد عينيه أنه يُلمح لشيء ما!

الأكاديمية

أكملتُ اللوحة التي طلبتها مني الأكاديمية، كانت هناك حورية غاية في الحسن اسمها مريم تحضر كلما طلبتها لأرسمها. حملتُ اللوحة – زيت على قماش- ملفوفة في ورق فاخر، وخرجتُ مستسلماً للنوتيز المصبوب في كُرتيّ عينيّ ليقود خطواتي؛ مشيتُ في وادٍ أجرد تغطيه الصخور والحصباء، ووصلتُ إلى صخرة بحجم كرة القدم منحوتة على شكل العضو التناسلي للمرأة.. كانت هذه هي الأكاديمية! أولجتُ أصابع قدمي اليسرى في الفرجة، وفي طرفة عين وجدتُ نفسي في واحدة من أجمل المدن التي يمكن لبشري أن يراها؛ انفجار مذهل لعدد لانهائي من المباني الرائعة، إذ لكل منها طرازه المعماري المختلف عن الآخر. لم تكن تشبه في شيء نمط العمارة الخشنة المتقشفة الذي اضطررنا إلى اعتماده في فترة حكمي للاتحاد السوفييتي. رحتُ أتمشى في جادات الأكاديمية ذاهلاً عن الأمر الذي أتيتُ من أجله؛ فكرتُ أنهم أحرزوا تقدماً عظيماً في فن العمارة، فشعرتُ بالخجل من لوحتي الزيتية المتواضعة.

استقبلني شكسبير وصافحني بحرارة وفرح صادق. سألني عن صحتي، فأجبته بكلمة واحدة؛ لاحظ افتتاني بالمباني من حولي وبصري الزائغ من جهة لأخرى، فشرح لي والابتسامة الطيبة لا تفارق وجهه: “كل هذه المنازل الجميلة التي تراها هي من تصميم طالباتنا في الأكاديمية، لقد اخترعن مواد بناء مقاومة للجاذبية، لذلك أمكن لهن عمل تصاميم معمارية خارقة للطبيعة وعصية على التصديق بالنسبة لنا نحن البشر”.

أصغيتُ إليه وأنا أُحدقُ في مبنى صعقني جماله، مُصمم على شكل ملعقة يتموضع طرفها المدبب على الأرض وينحني هيكلها في الهواء بزاوية 160 درجة دون أعمدة تسندها، وفي قعر طرفها العريض حجرات بجدران شفافة. مبنى آخر أثار اهتمامي مصمم على شكل نحلة معلق في الهواء ويدور ببطء حول نفسه. مبنى يخطف الأنفاس على شكل شهاب يمتد كخط مقوس في السماء في طرفه نجمة خماسية الأضلاع خضراء اللون تضم داخلها سكناً يحظى ساكنه بإطلالة رائعة، ومباني على مد البصر بأشكال لا أول لها ولا آخر.

صبر عليّ شكسبير حتى شبعت روحي من ارتشاف هذا الجمال الخلاب، ثم سألته هل نذهب إلى إدارة الأكاديمية، فأجابني بلطف إن الأساتذة في انتظاري. شكسبير شخص بالغ التهذيب ولا يملك المرء إلا أن يكن له عميق الاحترام.

تلقاني البروفسورات بمصافحات دافئة، وأهدى لي كل واحد منهم تفاحة راتنجية ليست للأكل، ولكنها مكونة من عطور مركزة تفوح بأريج يسكر الحواس ويمنح المرء شعوراً بأنه يُحلق بين النجوم، ويكفي الضغط الخفيف عليها بالأنامل لتمتزج عناصرها الكيميائية ببدن الإنسان فتفرز مسامات الجلد الرائحة العطرة.

عرفوني على أستاذ غريب الأطوار، لم يكلف نفسه عناء مصافحتي، صامت له وجه خالٍ من المشاعر كالحجر، قالوا إن اسمه رِتَالْ.

نزعتُ الورق عن لوحتي، فشهق أعضاء الهيأة التدريسية من روعتها، وراح كل واحد منهم يكيل لي المديح؛ راقبتُ رتال بطرف عيني، ولاحظتُ أن وجهه ممتعض من الغيرة وكأنه عض ليمونة حين سمعهم يثنون على لوحتي. توافقوا على عرض لوحتي في متحف الأكاديمية الفني – المسار رقم واحد- ليتاح للحوريات من عاشقات الفن التمتع برؤيتها وتأملها. طلب منهم رئيس الأكاديمية البروفسور جبريد أن يُريني كل واحد منهم مؤخرته تعبيراً عن التقدير والاحترام الذي يُكنونه لي، فوافقوا جميعاً بكل أريحية، باستثناء رتال الذي غادر دون أن يتفوه ولو بكلمة واحدة.

المزحة

يا للعار.. لقد تم تعييني أستاذاً لمادة التربية الجنسية! كان مطلوباً مني أن أُعلِّم الحوريات فنون الغزل وأسرار الفراش. كنت مُلزماً بإنزال بنطلوني أمامهن لأشرح لهن دروسهن. لقد لعنتُ في سري حظي الرديء الذي أوقعني في عمل مخجل ومذل كهذا، وفكرتُ أن تكليفي بهذا العمل ليس سوى مزحة سمجة من الرب. كان عليّ أن أمرَّ عليهن حورية حورية لأريهن ما بين رجليّ، وتخيلوا كم تمكث كل صبية منهن في تفحصه وجذبه ومطه، وجسه وفركه، وعصره وليِّه، وقرعه ونقره، وقياس كم طوله وعرضه، وسلامة عروقه وصحة جلده، وجمال طلته، وهيبة حضوره، وقوة شخصيته وفصاحته، وكمال أخلاقه وتربيته، وحسن سيرته وسلوكه، وتحري شجاعته وإقدامه، والتثبت من شرفه وكرم محتده، ورشده واعتدال مزاجه، وملاحته وظرفه، وحذقه وسرعة بديهته، وبعد ذلك كله يسألنه عن اسمه وسنه، وأين تلقى العلم ومن هم أساتذته، وعن هواياته ومواهبه، وما هي صنعته التي يكسب منها رزقه!

وبعد هذا التعب كله كنت مضطراً إلى الكشف عن عورتي مع بداية كل درس جديد لأعيد لهن الشرح مرة أخرى. صحيح أنهن بلهاوات ولا يعرفن شيئاً بالمرة عن طبيعة المهمة التي خُلقن من أجلها، ولكن هذا لا يُعفيهن من التقصير، فهن أيضاً إلى جانب غبائهن المريع لا يبذلن أيّ مجهود في حفظ دروسهن، ومهملات في حل الواجبات التي أُكلفن بها ويعشن حياتهن كما يَعِنُّ لهن.. وما زاد في حنقي أن إدارة الأكاديمية كانت متساهلة معهن، ولا تُصغي لمقترحاتي بفرض عقوبات صارمة عليهن.

أنا لست آلة، وهذا التكرار اللانهائي جعلني أتأرجح على حافة الجنون. أعلم أن الرب ينتقم مني بهذه الطريقة.. يجعلني أُكافح لتعليمهن إلى الأبد دون جدوى. ربما كن متفقات معه على ادّعاء الغباء لاستنزافي روحياً.. لكن من الواضح أنه جرى تصميمهن بدرجة ذكاء منخفضة عمداً لكي يتقبلن وضعهن كعاهرات دون مقاومة.

لقد تقدمت بشكوى أطالب فيها بإرسالي إلى الجحيم، احتجاجاً على الإذلال اليومي الذي أتعرض له، ولكن الإدارة رفضت طلبي.

تصاعدتْ خلافاتي مع القميء رتال، الذي تبين لي أنه مدرب يوغا أو ما شابه، وليس أستاذاً بمعنى الكلمة، وصار يُعيّرني كلما صادفني بكلمات لا يليق ذكرها هنا، ولكني مع ذلك تحملته وكظمتُ غيظي. إلا أنه حقق هدفه في النهاية حين عثر على نقطة ضعفي، فأسرَّ لي أن الحوريات اللاتي أُدربهن على أوضاع المعاشرة الجنسية سيذهبن في نهاية المطاف إلى أحضان رجال الطبقة الغنية، وأن رجال الطبقة العاملة ليس لهم مكان في الجنة.

استوضحتُ الأمر من طالباتي، فكشفن لي أن كل واحدة منهن تعرف اسم فارس أحلامها المنتظر! سألتُ الحورية مريم عن اسم فارسها، فأجابت وهي ترمش حياءً: “آدم سيمث”. صُعقتُ من المفاجأة ولم أقدر على الكلام. وراحت الحوريات من تلقاء أنفسهن يسردن على مسامعي أسماء فرسان أحلامهن: ” ماير أمشيل روتشيلد، جون روكفلر، هوفمان أويري، صاموئيل كرتيس جونسون، وليام والس كارغل.. الخ أولئك الرأسماليين الذين استولوا على ثروات خرافية”.

غادرت الأكاديمية وأنا أرتجف من شدة الغضب، وقد اتخذتُ قراراً لا رجعة فيه بعدم التدريس فيها نهائياً.

لبثتُ في قصري منكباً على إعادة تدوين “رأس المال” لكارل ماركس غيباً من الذاكرة، وقد قررتُ القيام بخطوة تُرضي ضميري.

زارتني الهيأة التدريسية – باستثناء رتال- للاطمئنان على صحتي، ولثنيي عن قراري باعتزال التدريس في الأكاديمية. أخبرتهم أنني لم أعد معترضاً على قيامي بتدريس مادة فاضحة، ولكنني أعترض بشدة على مكافأة الحثالة القذرة المُسْتَغِلَّة من الرأسماليين بطالباتي للتمتع بهن. أنبأتهم أنني قد انتهيتُ من تدوين كتاب “رأس المال”، وأنني أرغب في تحديد موعد مع الرفيق الأعلى لأسلمه المخطوطة يداً بيد. حذروني من أن أحدد موعداً للقائه، لأن الذين ضربوا له المواعيد لم يلتقوا به أبدا. وقعتُ في حيرة من هذا التناقض ونظرتُ ناحية صديقي شكسبير مستنجدا، فقال بعد تفكير: “الحل هو أن تحمله معك باستمرار، لأنه لا يمكنك أن تلقاه إلا مصادفة، فإذا ابتسم لك الحظ وصادفته ناولته كتابك”. صححتُ له: “الكتاب ليس لي، إنه للمفكر الشيوعي العظيم كارل ماركس”. صدرتْ مني زفرة تعبر عن تبرمي: “اسمحوا لي أيها الزملاء، الرفيق الأعلى فوضوي”. دافع رئيس الأكاديمية  جبريد وابتسامة عذبة لا تفارق شفتيه: “ليس لديك أدنى فكرة كم هو متواضع وبسيط ويبذل الحب الخالص من أيّ غرض لكل أحد.. الناس هنا يصادفونه في أماكن كثيرة فيصافحونه ويكلمونه، يتجمعون حوله فيروي لهم النكات اللطيفة، إنه يفعل ما بوسعه لإبهاجهم، يطرق الأبواب ويدخل المنازل حاملاً معه الهدايا.. إنه مشغول بإدخال  السعادة على القلوب وليس بضرب المواعيد لخوض نقاشات فلسفية”.

بذلتُ جهدي للسيطرة على غضبي فاعتدلتُ في جلستي وتكلمتُ بهدوء: “لاشك أن الرفيق الأعلى طيب، ولكني لا أفهم لماذا يضع رفاقي الشيوعيين في الجحيم، وهم الذين ضحوا من أجل الفقراء؟؟”. وعلى هذا المنوال استمر جدالنا وقتاً طويلاً، وحتى صديقي المقرب شكسبير لم يتمكن من إقناعي بأن ما فعله الرب هو الصواب.

عندما تأهبوا للمغادرة، وجهوا لي الدعوة لحضور مسرحية “هملت” التي ستقدم على خشبة مسرح الأكاديمية؛ همس لي شكسبير بأن الرفيق الأعلى لا يُفوتُ أيّة مسرحية من مسرحياته، ونصحني بأن أُحضر معي مخطوطة “رأس المال”.

المفاجأة

احتشد أكثر من مليار مشاهد لرؤية مسرحية “هملت”.

نحن هنا نتحكم بالمقاييس كما نشاء لتوائم أغراضنا، منصة المسرح جرى تكبيرها ملايين المرات وكذلك أحجام الحوريات، ونحن الجمهور ضغطنا أحجامنا ليتسع لنا المجال للمشاهدة. ولكي أُقرِّب الصورة لأذهانكم، فإن خشبة المسرح صارت عملاقة بحجم كوكب زحل، ونحن الجمهور توزعنا على حلقات تشبه تلك الحلقات المحيطة بزحل.

أعضاء هيأة التدريس في الأكاديمية جلسوا في الحلقة الأولى، وجلستُ أنا في الحلقة الأخيرة لأتأمل الانفعالات التي ترتسم على وجوه النظارة.

الحوريات قدمن أداءً تمثيلياً متقناً، وتلميذتي النجيبة الحورية مريم أدت دور هملت ببراعة تفوق الوصف.

عندما أُسدل الستار دوى تصفيق جماعي، وراح الجمهور يهتف باسمي “شكسبير.. شكسبير.. شكسبير”. صعدتُ خشبة المسرح وحييتُ الجمهور، فتحول الهتاف إلى هدير يصم الآذان.

ارتقى جبريد رئيس الأكاديمية خشبة المسرح وهو يحمل رسالة ملفوفة موضوعة في طبق يشع منه نور لطيف قوي لا يجهر البصر ووقف أمامي، وعلى الفور عمَّ صمت جليل ترقباً لمعرفة محتوى الخطاب المرسل من الرفيق الأعلى.

أخذتُ الرسالة ونشرتها وقرأتُ ما ورد فيها بصوت جهوري: “يا هذا الذي تسمع وتبصر إني آمرك بالسجود لشكسبير تكريماً له”.

وما كدتُ أرفع رأسي عن الورقة حتى وقع الجمهور على الأرض لي ساجدين، وكذلك فعل جبريد رئيس الأكاديمية والأساتذة وكل الحوريات وعلى رأسهن مريم.. كان مشهداً مهيباً لا يتكرر في تاريخ الكون.

ولكن المفاجأة أن صديقي الذي فضلته على كل الأصدقاء جوزيف فيساريونوفيتش ستالين أبى أن يسجد لي، وظل جالساً على مقعده واضعاً رجلاً على رجل وهو يُحدق فيّ بازدراء!

حين رفع القوم رؤوسهم استغربوا جرأة ستالين على عصيان أمر الرفيق الأعلى.. سابقة لم يفعلها أحد قبله، وحلَّ الوجوم على الوجوه.

سألتُ جوزيف ستالين بصوت شرخه الحزن: “لماذا لم تسجد لي؟”. وقف جوزيف ستالين وكلمني مقطب الجبين ونظراته حادة تكاد تشقني نصفين: “هذا الذي تقدمه هو مسرح منحط يخدم أهداف الطبقة البرجوازية”. قلتُ وقد اغرورقتْ عيناي بالدمع: “وماذا تريد مني أن أُقدم؟”. صعد جوزيف ستالين إلى جواري وتحدث مخاطباً الجماهير الغفيرة: “هذا النذل المدعو شكسبير يخدعكم، يُخدِّر عقولكم بتفاهات عن الطبقة المخملية.. لماذا لا يقدم في مسرحياته شيئاً عن معاناة الفقراء والطبقة الكادحة؟؟ إن أيّ كاتب لا يلتزم بالواقعية الاشتراكية في مؤلفاته فإنما هو خائن لطبقته وضميره الإنساني ميت..”. واستمر جوزيف ستالين في محاضرته الثورية والجميع منصتُ له، وحين انتهى رمى بمخطوط “رأس المال” في وجوهنا، فتناثرتْ أوراقه في كل الاتجاهات، وغادر وقد احتدم غضبه تاركاً الجميع في حالة من الذهول التام.

الصعقة

داهمتْ قوة من الملائكة الأشداء قصري ووضعوا القيود الحديدية في يديّ وقدميّ. أتى مُبغضي رتال برفقتهم، وتلا على مسامعي الحكم الصادر بحقي الساري النفاذ القاضي بطردي من الجنة وإرسالي إلى جهنم.

قلتُ لرتال الذي تظاهر بالأسى مطرقاً رأسه: “هل اختارك الرفيق الأعلى أنت بالذات لتشمتَ بي؟؟”. اختلس رتال نظرة خاطفة إليَّ وظهر الألم على وجهه: “كلا.. أنا متألم من الأشياء التي بلغتني عنك”. أثار فضولي فسألته: “وأيّ شيء بلغك عني؟”. أجاب وهو ينظر في عينيَّ مباشرة: “أنت أوغد إنسان قابلته في هذا الكون وكل الأكوان الأخرى”. ضحكتُ ساخراً منه: “هاها.. حقاً! حسناً يا رتال لك أن تشتمني الآن كما يحلو لك فأنت من ربح في النهاية”. تكلم عاقداً ذراعيه: “لقد قلت على لساني أموراً لم أقلها”. قلت له: “مثل؟”. تأوه ثم أجابني: “نسبتَ إليَّ أنني قلت لك إن الأغنياء يدخلون الجنة والفقراء مأواهم النار.. وهذا كذب.. أنا قلت لك إن الجنة يدخلها الفقراء ونادراً ما يدخلها غني”. قلت له: “أنا لم أكذب، ولكن ربما لم أسمعك جيداً”. تابع رتال التحديق في عينيَّ بطريقة مؤذية: “ولماذا كذبت وزعمت أننا أسندنا إليك تدريس مادة التربية الجنسية.. هل ستتحجج بضعف السمع أم ماذا؟؟”. جعلني الملعون أستشيط غيظاً فرفعتُ صوتي عليه: “وهل يليق بستالين بطل الحرب العظمى أن يُدَرِّس مادة الأحوال الجوية.. من تظنون أنفسكم حتى تقرروا مصيري كما تشاءون!”.

أوعز رتال للملائكة بالتحرك، فقلت له متوسلاً: “مهلاً.. لدي مطلب أخير”. أوقفهم رتال بإشارة منه: “ماهو؟”. قلت مستجمعاً جرأتي: “قبل أن أذهب إلى الجحيم أود أن أُقابل الرفيق الأعلى شخصياً”. هز رتال رأسه أسفا: “يالك من أعمى متبلد الأحاسيس.. لقد كان في صحبتك طيلة الوقت!”.

اقتادوني إلى النار، ولما وصلتُ إلى الدرك الأسفل رآني الملاك الموكل بتعذيبي فنادى عليّ باسمي، لم يكن نداءً بشرياً بل صرخة مزلزلة صعقتني، فاستعدتُ وعيي وميزتُ الوجوه الكثيرة التي أحاطتْ بي، وببطء أدركتُ أنني في حجرة نومي ممدد على سريري؛ ثم سمعتُ بوضوح الصرخة الثانية التي تنادي باسمي، ونظرت فإذا بوجه الملاك الأعور الأقرع الذي له وحمة سوداء قبيحة على الجانب الأيمن من جمجمته يطل عليّ مجدداً.. شعرتُ بفزع عظيم ورفعت يدي محاولاً الإشارة إليه ليقبضوا عليه أو يردوه قتيلا، ولكن نظرته المخيفة الأشد قتلاً من كل الأسلحة لم تتح لي الوقت لفعل شيء.

*كاتب يمني.

Advertisements

تعليقات