Accessibility links

  “اليمني الأميركي” – أحمد الأغبري

       من بين الكُتّاب الأجانب الذين زاروا اليمن، وكتبوا عنها ما هو جدير بالتوقف أمامه وقراءته؛ يبرز الروائي الإيطالي الراحل “البرتو مورافيا”، الذي زار اليمن عقب قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م، وتكررت الزيارة بعدها مرتين.. وكتب انطباعاته عن تلك الزيارات في أوراقٍ نُشرْ بعض منها في فصلية “دراسات يمنية”، الصادرة عن مركز الدراسات والبحوث اليمني، في إطار مشروع لم يكتمل لترجمة وإعادة نشر ما كتبه أدباء عالميون عن صنعاء.

     تعود علاقة “مورافيا” بصنعاء – كما سبقت الإشارة – إلى العام 1962؛ حيث اختارته إحدى الصُحف الأميركية الكبيرة، ليكون مراسلاً لها في هذه المدينة في أعقاب خروجها المدهش والمثير من قبضة القرون الوسطى.. ويبدو أن صنعاء الخارجة آنذاك من ليل التاريخ لم تأسر الكاتب الروائي، فاقتصرت مهمته حينذاك على متابعة أنباء الصراع بين الأمس البعيد وبين الزمن الجديد التي بدأته هذه المدينة.

     في العام 1985م تكررت زيارة “مورافيا” لليمن؛ وهي زيارة قادته، أيضًا، لزيارة أخرى عام 1989م، أي قبل وفاته بعام تقريبًا؛ وفي هاتين الزيارتين كان لـ”مورافيا” مع اليمن قصة بالغة الروعة، لكنه سطر يومياتها بعد عودته إلى إيطاليا في مجموعة من الأوراق كانت، على ما يبدو، خلاصة ما كتبه عن تلك الرحلتين اللتين قام بهما لهذا البلد؛ وعلى ما يبدو أنه سجل فيها انطباعاته عن الأماكن التي زارها والناس الذين التقى بهم.

     مثّل عام الاحتفاء بصنعاء “عاصمة للثقافة العربية 2004م”، بداية لتجميع أوراق “مورافيا” عن اليمن والاحتفاء بها، لكن هذا الاحتفاء لم يُكتب له الاكتمال بإخراج أوراقه في كتاب حتى اليوم للأسف..!

      كان “مورافيا” قد ترك الأوراق التي كتبها في رحلتيه إلى صنعاء واليمن، عمومًا، على مكتبه قبل وفاته في 26 سبتمبر 1990م، بعد أن كان قد سلّم بعضًا منها لصديقه الشاعر عبدالعزيز المقالح، الذي انتقى بعضها ونشرها في العددين (45 – 49) من فصلية “دراسات يمنية”.. فيما تم الإعلان عن مشروع كتاب بعنوان “اليمن في أوراق البرتومورافيا”.. لكن هذا الكتاب لم يرَ النور حتى الآن، بعد أكثر من عشر سنين على إعلان مشروعه.. ولا داعي لذكر أسباب التعثّر في إصداره؛ فمن حينها واليمن تُنقل من أوضاع سيئة إلى أسوأ، وصلت معها البلاد إلى ما تعيشه اليوم من صراع أصبح معه الحديث عن هكذا مشاريع أشبه بالهذيان، إلا أنه كان لا بد من التنويه تذكيرًا واحتفاءً بتجربة صاحبها الذي يُعد من كُتّاب قلائل شهدوا بعضًا من سيرة التحول في هذا البلد.

      ولد “البرتو مورافيا” في روما سنة 1907، وعمل صحافيًّا، وكتب القصة القصيرة والرواية، وأصبح من أشهر كتّاب إيطاليا في القرن العشرين.. ينحدر من أسرة نصفها يهودي ونصفها مسيحي كاثوليكي.. أُصيب “مورافيا”، وهو في سن التاسعة، بعدوى مرض “السلّ”، الذي أنهك جسمه في الفترة ما بين (1916م -1925 م)، وظل وهو يتلقى العلاج رهين المصحة.

     وخلال تلك الفترة شرع “مورافيا” في الكتابة، كما درس اللغتين “الإنكليزية والفرنسية”.. تزوج سنة 1941م من “إيلسا مورانت”، التي اشتهرت ككاتبة أيضًا.. وتميّزت أعمال “مورافيا” الأدبية بالبراعة والإغراق في الواقعية والنفاذ إلى أعماق النفس البشرية.

    ومن أعماله الأولى نشر “مورافيا” رواية “زمن اللا مبالاة” عام 1929م، ورواية “السأم”، التي حازت جائزة “فيارجيو”، وهي أكبر جائزة أدبية في إيطاليا.. ومن رواياته: (“دولاب الحظ” 1939م، “امرأة من روما” 1947م، “المرأتان”1947م، و”العصيان” 1948م).. ومن مجاميعه القصصية: (“حكايات من روما” 1954م،”الفردوس” 1970م).. وقد تحولت العديد من رواياته إلى أفلام سينمائية، كما تُرجمت معظم أعماله لعدة لغات عالمية.


  (يظهر في الصورة “البرتو مورافيا” متقلدًا الخنجر اليمني خلال زيارته لليمن في الثمانينيات.. الصورة بعدسة الفنان عبد الرحمن الغابري

تعليقات