Accessibility links

 

اليمني الأميركي:

مما لاشك فيه أن مقتل الرئيس اليمني السابق – علي عبدالله صالح – قد فتح الباب لأكثر من تساؤل حول ما ستؤول إليه الأحداث في البلاد، سواءً على مستوى علاقة الحوثيين بالبلاد مع انفرادهم بالحكم تحت تأثير نشوة النصر والإيمان المطلق بالقوة من جهة، ومن جهة أخرى على صعيد مسار الحرب التي يشنها التحالف في ظل استمرار الحصار وتصاعد المعاناة الإنسانية داخل البلد..

وعلى الرغم من كل ذلك ما زال الأمل قائماً في سلطة الأمر الواقع بصنعاء لتلافي ما حدث خلال ما مضى منذ سيطرتهم، واستشعار خطورة المرحلة عقب مقتل صالح باعتبارها ستؤدي حتما لأحدى طريقين: إما طريق بناء دولة، أو الاستمرار في اللا دولة.. وهو ما يتطلب – أولاً – التخلي عن منطق الحكم بالقوة، حيث إن استخدام القوة بدون مؤسسات دولة ومواطنة متساوية سيفضي إلى مزيد من تعقيد مشكلة البلد، علاوة إن استخدام العنف يؤدي – بالتأكيد- لاستمرار دورات العنف، وهذا ما تعلمناه من التأريخ على مستوى اليمن والعالم.

تعاني اليمن منذ قيام الثورة قبل أكثر من نصف قرن مشاكل كثيرة أعاقت تطوره، وأبرز تلك المشاكل تمثلت في سيطرة القوى التقليدية (القبلية والعسكرية والدينية) على قرار الدولة، وأفضت سيطرة ثقافة القوة و(الغلبة التقليدية) على حكم اليمن – شماله وجنوبه – قبل الوحدة، وعلى حكم اليمن بعد الوحدة، إلى إعاقة بناء الدولة، وبقيت اليمن (دولة رخوة) – حد وصف أحدهم.

والدولة الرخوة هي دولة تُراهن على (القوة الفارغة)، لا على (المؤسسات الدستورية)، والدولة الرخوة دولة تستجر الحرب والصراع وتعتمد على العنف، وتعمد في سبيل ذلك لتعطيل العمل المؤسسي؛ لأن العمل المؤسسي يُفضي إلى سلطة الشعب باعتباره (القوة الحقيقية) للدولة.

ما نريد قوله: إن أي بلد ليس نسيجًا واحدًا؛ وبالتالي فعلى الحاكم أن يستند إلى وعيٍ بالتنوع والتسامح .. واليمن لا يمكن أن يستقر إلا بمشروع دولة وطنية، ما دون ذلك سيظل الصراع ممتدًا؛ لأن مؤسسات الدولة هي الضامن لبقاء اليمن موحدًا مستقرًا متطورًا، وبدون ذلك لن تتجاوز البلاد مرحلة اللادولة.

وانطلاقاً مما سبق ندعو إلى احترام هوية الشعب اليمني وثقافته وتقاليده وأعرافه، وعدم ممارسة ما يسيئ إلى هوية وثقافة وأعراف هذا البلد العريق بحضارته وتراثه وهويته الثقافية الخاصة.

لن تصبح اليمن دولة ديمقراطية في ليلة وضحاها، لكن لا بد أن تبادر النُخب السياسية بالخطوة الأولى؛ فمتى ما امتلكت تلك النخب القناعات الديمقراطية ومارستها، من الطبيعي أن تعقبها نتائج مبشرة باتجاه تكريس ثقافة الديمقراطية تدريجيًّا بدءًا من الإيمان بأهمية الدولة ككيان وجودي مؤسسي، أما في حال بقيت هذه النُخب تتبع مصالحها الضيقة، وتحاول فرض معتقداتها بالقوة متجاوزة خصوصية جغرافيا الهوية اليمنية، وتتعامل بثقافة انتقامية و حقد سياسي؛ فإنها تدفع بالبلد إلى مزيد من الخراب، ونحن هنا لا نرى قبلها أحدًا مسؤولاً عما تعيشه البلاد.

تفرض الأحداث الراهنة على النُخب السياسية أن تُعيد قراءة المشهد، وتدرك أنها المسؤولة الأولى عما كان وسيكون، ودورها المحوري في تغيير اتجاه دفة السفينة إن امتلكت إرادة وطنية خالصة باتجاه دولة وطنية تنحاز للمستقبل ومعاناة الناس وتطلعاتهم في مواطنة متساوية وعدالة وتنمية.

الدرس المستفاد من مقتل الرئيس السابق – علي عبدالله صالح – هو أن القوة لا تصنع دولة، والانتقام لا يقود البلاد إلى بر الأمان، والانفراد بالحكم نتيجته وخيمة.. كما أن الاستمرار في تجاهل إرادة الشعب سيؤدي لاستمرار دورات العنف وصولًا إلى الانهيار التام؛ وهو ما لا نتمناه، ويحدونا الأمل أن يستشعر الجميع مسؤولياتهم تجاه بلادهم، ما لم فسيدفع الجميع ثمنا باهضاَ.

تعليقات