Accessibility links

المفكر والصحافي عبدالباري طاهر لـ “اليمني الأمريكي”: الدكتاتورية في العالم العربي لها جذور عميقة


تفرد صحيفة اليمني الأمريكي مساحة لمحاورة القادة الثقافيين في اليمن بهدف استطلاع آرائهم وسبر رؤيتهم حول ما يجري في البلد وخارجها. وفي هذا العدد نجري حواراً مع المفكر والصحافي عبد الباري طاهر الذي يعتبر واحداً من أقطاب الحركة الثقافية اليمنية ومن قادة الرأي البارزين، وهو الذي شغل سابقاً موقع نقيب الصحافيين اليمنيين، وكذلك رئيس تحرير صحيفة الثوري لسان حال الحزب الاشتراكي اليمني، ويشغل حالياً موقع رئيس الهيئة العامة للكتاب:  

اليمني الأميركي: وجدي الأهدل

  ما هو دور الآداب والفنون والثقافة بعامة في وقف الحروب والنزاعات؟

 الحرب نفي للحياة، ووأد لكل ما فيها من خير وإبداع وفن. فهي لا تقف عند تخوم قتل الإنسان، وإنما تقتل التمدن، والإبداع والفنون، وتلغي السياسة والعقل والتعايش بين البشر، بل إن آثارها الكارثية تمتد إلى مختلف مناحي الحياة والبيئة، والكائنات كلها. الآداب والفنون والثقافة بعامة كما أشرت هي السلاح الفعال الذي يتصدى للحرب كجريمة ضد البشرية والطبيعة والحياة. ووظيفة المبدعين والمثقفين وحماة الحياة والحق والعدل هو التصدي لكل أنواع العنف والإرهاب والحروب بمختلف صورها وأشكالها. بل إن الوظيفة الأساسية للفلسفة والتمدن والتحضر، ومن ثم الرسالات العظيمة والديانات والآداب والفنون هي رفض قتل الإنسان لأخيه الإنسان «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا   وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ» سورة المائدة، الآية 32. معظم ثورات العصر العظمى كانت في جوهرها رفضاً للقهر والظلم والقتل باعتبار القتل أكبر الجرائم. وكانت الثورات تحدياً للحروب ورداً عليها.. وإن أوغل بعضها في العنف، أو غرق في الحرب.

  ما هو تقييمكم لتجربة الحزب الاشتراكي اليمني في حكم الجنوب خلال الفترة من 1967 – 1990 ؟ وهل ننتظر منكم كتاباً عن هذه المرحلة التاريخية؟

 تجربة الحزب الاشتراكي في الجنوب «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» لا يمكن أن تقرأ بعمق ودقة إلا في زمنها: الستينات والسبعينات. أي زمن الثورات الشعبية. وحركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث بعامة والمنطقة العربية بخاصة. فالثورات العربية، وحركات التحرر ضد الرجعية والاستعمار حينها كانت تجتاح القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. الثورات القومية: التحررية في الجزائر ومصر، والعراق وسوريا واليمن، كانت جزءً من رياح ثورات التحرر العالمي. هذا هو الأساس للثورة اليمنية سبتمبر 1962 وأكتوبر 1963. وحتى نكون دقيقين فلابد من تسمية الأشياء بأسمائها. فقد ارتبطت ثورة أكتوبر بالجبهة القومية «حركة القوميين العرب» التي قادت الكفاح المسلح. وتحولت إلى اليسار الماركسي. وتوحدت بها ومعها فصائل اليسار في الجنوب أولاً: الطليعة الشعبية، واتحاد الشعب الديمقراطي عام 1973. وفيما بعد توحدت فصائل اليسار في الشمال «الجمهورية العربية اليمنية» حزب الوحدة الشعبية لتشكل كلها الحزب الاشتراكي 1978. لاشك أن تجربة الجبهة القومية أو الحزب الاشتراكي شابها ورافقها الكثير من الأخطاء القاتلة، بل الجرائم أيضاً. فغياب الأفق الديمقراطي، وإلغاء الآخر المختلف والمغاير أدى إلى صراعات دامية، سواءً مع هذه الأطراف المختلفة فكرياً وسياسياً لينتقل الصراع داخل الحزب الاشتراكي نفسه كما حدث في جريمة 13 يناير 1986. وهناك أخطاء التأميم والتطرف والرهان على السلاح في حل معضلات سياسية واقتصادية واجتماعية لا يحلها العنف أو القوة. ولدي العديد من الكتابات عن هذه التجربة الرائعة والبائسة التي كنت جزءً منها. وفي المركز القيادي منها بعد 1978. وإن دفعت الثمن في الشمال كعضو في الحزب الاشتراكي. ذلك أن قيادة الجنوب كانت حاكمة. أما في الشمال فمثلت المعارضة التي تنتقد العنف وقمع الحريات والمصادرة.

  قدّم أستاذ العلوم السياسية الأمريكي (صموئيل هنتنجتون) نظرية سياسية جديدة هي «صدام الحضارات»، هل ترون هذه النظرية صحيحة؟ وهل تحققت نظريته جزئياً بالنظر إلى ما يحدث الآن في اليمن والعراق وسوريا وليبيا وربما دول أخرى قادمة؟

 نظرية «صدام الحضارات» التي صاغها (صموئيل هنتنجتون) صائبة وخاطئة في آن: مصيبة لأنها تتناول جانباً حياً وحقيقياً في حياة الأمم والشعوب، وتحديداً في خاتمة القرن العشرين. فعندما ألّف الباحث كتابه كانت مؤشرات بل وقائع الصراع الدولي حاضرة بقوة في غير قارة وأمة ودولة. والأمثلة كثيرة والانقسامات فاشية. أما خطؤها فمصدره تعميم لحظة من اللحظات على الزمن كله. فالحضارات البشرية في الشرق والغرب والشمال والجنوب لم تقم على الصراع وحده. وإنما قامت على التواصل والتحاور والتعايش والتأثر والتأثير والتكامل، وتبادل المعارف والخبرات، والتثاقف، والتداخل والتمازج في الأجناس والأعراق، وتلاقح الأفكار والملل والنحل، والإبداع. والصراع حد الصدام وإن كان موجوداً إلا أنه لحظة كريهة وسيئة وثانوية، وأشدد على كلمة ثانوية، ولن يكتب لها الاستمرار. ربما كان الصحفي اللامع جوزيف سماحة من أفضل من قام بالرد حينها على الباحث الأمريكي، إلا أن رده لم ينل الاهتمام الكافي.

  أصدر المفكر فرانسيس فوكوياما كتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الذي أكد فيه أن الانتصار النهائي هو للرأسمالية الليبرالية.. لكن يبدو أن «نهاية التاريخ» في هذا الجزء من العالم الذي نعيش فيه قد عنت انهيار الدولة الوطنية وظهور أشلاء دويلات متناحرة فيما بينها.. هل الرأسمالية مسئولة عن هذا الانهيار؟

 أما نهاية التاريخ فخرافة من خرافات الزمن، فكل ديانة أشرت أو بشرت بالديمومة والخلود. ومثلت خاتمة الزمن. (هيجل) أيضاً اعتبر الدولة البروسية خاتمة التاريخ. والفكر الماركسي بشر هو أيضاً بأنه آخر حقيقة مطلقة كفلسفة مادية. والمادة لا تفنى ولا توجد من عدم، والنظام الشيوعي آخر الأنظمة ومؤبد. (فوكوياما) اعتبر النظام الرأسمالي والليبرالية هي خاتمة مطاف ومصائر البشرية. ولكن الزمن الذي هو التغيير المستمر الدائم والأبدي لا يمكن أن يقف عند تخوم أفكار معينة، أو رؤى أو فلسفات أو رغبات وأماني محددة. فهو جارٍ باستمرار كرؤية الفيلسوف اليوناني هيراقليطس الذي قال «إنك لا تستحم في النهر مرتين». ولعل حكيم العرب أبو العلاء المعري أكثر عمقاً ومعرفة وخبرة بالزمن من فيلسوف الرأسمالية الليبرالية فرانسيس فوكوياما:

« كفر وإيمان وأنباء تقص.. وتورات تنص وقرآن وإنجيل

في كل جيل أباطيل يدان بها.. فهل تفرد يوماً بالهدى جيل”.

  هل تتوقعون عودة «اليسار» إلى العالم العربي؟ أم أن «اليسارية» قد انتهت إلى غير رجعة في البلاد العربية؟

 لا شيء يعود. فاللحظة الاجتماعية لا تستعاد «لن نستحم في النهر مرتين» كحكمة هيراقليطس. أما حكيم العرب أبو العلاء المعري فيرى: «أمس الذي مر على قربه، يعجز أهل الأرض عن رده». فما مضى فات. ماركس يرى أن الزمن لا يعيد نفسه، فهو في المرة الأولى يتخذ شكل التراجيديا، أما في المرة الثانية فملهاة، أو «مهزلة» حسب تعبيره. ولكن الزمن والحياة قادران على خلق قوى جديدة مغايرة ومختلفة. وفي القرآن عظة وحكمة: «وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» سورة محمد الآية 38.

  تحدث المفكر إدوارد سعيد عن المثقف ودوره النقدي في كتابه «تمثلات المثقف»، فهل برأيكم تسمح ظروفنا في العالم العربي بظهور هذا النموذج من المثقفين؟

 إدوارد سعيد مثقف كوني متعدد المواهب والهوايات والهويات، ورغم تعدد الهويات إلا أنه ظل مخلصاً ووفياً للثقافة الإنسانية ولفلسطينيته. انتقد أداء منظمة التحرير الفلسطينية التي كان عضواً في مجلسها. ودان اتفاقات أوسلو ومدريد. وكتابه الصغير المهم عن تمثلات المثقف وصوره من أهم ما كتب. ويقيناً فإن الأمة لم تعقم، وهي ولادة. ولكن غلبة الفساد والاستبداد والحروب العبثية غيبت هذا المثقف أو وارته عن الضوء، بل فلنقل غيبته في زوايا المعتقلات والمنافي والتمويت بأبعاده ومعانيه المختلفة.

  الديكتاتورية تُجدد نفسها في العالم العربي ولا يبدو أنها ستنقرض قريباً.. ما هي الأسباب من وجهة نظرك؟

 الدكتاتورية في العالم بعامة وفي الوطن العربي بخاصة إرث وبيل. ولها جذور عميقة في البنية الاقتصادية – الاجتماعية والثقافية والسياسية. وفي مجمل القيم والتقاليد والاعتقادات الفاسدة، والعادات الميتة والمميتة، المناهج التربوية، خطاب المسجد، الإعلام، التوعية السياسية، التربية المنزلية والقيم البالية السائدة، كلها مكرسة لخدمة الجلاد الذي ينام ملء جفونه وأسلحته مشهرة في نحور الرعية. وهي تجدد نفسها لأن معركتها الدائمة مع البديل الديمقراطي. وتواجه معارضات ضعيفة وهشة، وتقبل دائماً بأنصاف الحلول، وبفتات مائدة الفساد والاستبداد. أختلف معكم أخي العزيز في القراءة المتشائمة. كل تجارب التاريخ تؤكد «لحظة المباغتة» التي لا يتوقعها أحد.. انهيار الإمبراطوريات والدكتاتورية. وأنظمة الفساد والاستبداد تعتقد الديمومة والخلود. وفي لحظة مباغتة تجد نفسها خارج العصر. ولكن لـ(هيجل) عبارة دالة «إن العظة العظيمة من التاريخ أن لا أحد يتعظ به». وفي القرآن الكريم: «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق». سورة الأنبياء، الآية 18.

  عايشتم وعملتم في الصحافة منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم.. ما الذي تغيّر؟ وهل ما تزال الصحافة هي السلطة الرابعة؟

 تغيرت أشياء كثيرة، وأشياء أكثر تنتظر التغيير، فالتغيير سنة من سنن الكون والحياة..

« سنظل نحفر في الجدار

إما فتحنا ثغرة للنور

أو متنا على صدر الجدار»

كإبداع أستاذنا الدكتور عبدالعزيز المقالح. والمهم ألا ننتظر اللحظة المباغتة، بل يجب العمل بالتبشير والدأب لبزوغها. ألم يقل عدو الاستبداد الأول عالم الدين المستنير عبدالرحمن الكواكبي « صرخة في واد، ونفخة في رماد، كلمات قد تذهب مع الريح، ولكنها قد تذهب بالأوتاد».

تعليقات