Accessibility links

البيت اليمني للموسيقى.. الحارس الأخير للفن


وجدي الأهدل

طفلتان تتدربان على العزف في البيت اليمني للموسيقى

 

أعلن التلفزيون اليمني عن مسابقة لتلحين أغاني ثلاثين حلقة من برنامج رمضاني للأطفال، وفاز بالإجماع اللحن “النموذج” الذي تقدم به الملحن فؤاد الشرجبي. وكانت الخطوة التالية هي أن يوقعوا معه العقد.

التلفزيون كان كريماً معه، فسافر بالطائرة من تعز إلى صنعاء، وحجزوا له في أحد أفضل فنادق العاصمة “فندق الأخوة”. في اليوم التالي ذهب إليهم فتفاجئوا.. كل من يقابله كان يقول له: “لماذا أرسل الأستاذ فؤاد ابنه ولم يأت بنفسه؟!”. لم يصدقوا أن الولد الواقف أمامهم – 17 سنة- هو الملحن الذي تفوق على أساتذة التلحين المعروفين في اليمن.

لقد وقع العقد، ومنذ تلك اللحظة تمكن من انتزاع الإعجاب عاماً تلو الآخر، ورسخ مكانته بين الكبار كملحن وموزع موسيقي غزير الإنتاج، وفنان يقدم أعمالاً موسيقية على درجة عالية من الجودة.

فهو ملحن 90% من أغاني الأطفال في التلفزيون اليمني خلال الفترة (1990- 2007). وهو مؤلف ومنفذ الموسيقى التصويرية لعدد كبير من المسلسلات التلفزيونية والإذاعية، وكذلك قام بعمل الألحان والموسيقى التصويرية للعديد من المسرحيات الغنائية والدرامية.

في عام 2007 قام هذا الشاب المبدع بخطوة لم يسبقه إليها أحد، وأنفق تحويشة عمره لتأسيس “البيت اليمني للموسيقى” مغامراً بأن يخسر كل شيء في سبيل تحقيق حلمه.. ما هو هذا الحلم؟ يرد فؤاد الشرجبي بقوله: “أحلم بمحو الأمية الموسيقية في اليمن”.

إنه حلم كبير ويصعب على فرد واحد تحقيقه، ولكنه رغم مناوأة التيار الديني لمشاريعه، وتجافي الدولة عن مساعدته، فإنه ماضٍ في طريقه غير مبالٍ بالحواجز التي يتعمد كارهو الفن الجميل وضعها أمامه. إنه محارب وحيد ولكن في غاية الصلابة من أجل الرقي بالذوق الفني لليمنيين، وحفظ رأسمالهم الثقافي من الانقراض أو السرقة أو نسبة التراث الغنائي اليمني الأصيل إلى شعوب أخرى.. إنها مهمة الدولة اليمنية وواجبها الأخلاقي، ولكنها مع الأسف لم تحرك ساكناً ولا في أي عهد من العهود.

عندما غنى الفنان اللبناني راغب علامة أغنية الفنان الكبير أبوبكر سالم بلفقيه الشهيرة “سر حبي فيك غامض” صرح في قناة mbc أن الأغنية من التراث الخليجي! فتصدى له الفنان فؤاد الشرجبي باسم البيت اليمني للموسيقى وهدد بمقاضاة الفنان والقناة، فاضطر الفنان علامة إلى الاعتذار في الأسبوع التالي وذكر بفصاحة يُحسد عليها أن مؤلف كلمات الأغنية هو الشاعر اليمني حسين أبوبكر المحضار وغناها أبوبكر سالم بلفقيه.

وهنا مرور سريع على أبرز إنجازات البيت اليمني للموسيقى:

1-      رصد وتوثيق الأغاني الشعبية اليمنية ومنها الأغاني الخاصة بالزراعة، البناء، الصيد، البحر، أغاني البدو الرحل والرعاة، الحرفيين، وكذلك المواويل والرزفات والزوامل والأناشيد الصوفية والموالد وأغاني الأعراس والزفاف. وقد بلغ عددها أكثر من 60,000 تسجيل صوتي.

2-      دورات تأهيلية لمبادئ الموسيقى وتعليم العزف على الآلات الموسيقية، وقد بلغ عدد الخريجين أكثر من ألف شاب وشابة. ومن هؤلاء من شق طريقه وصار اسماً معروفاً في عالم الموسيقى والغناء.

3-      تشجيع الموهوبين في الغناء والموسيقى وتقديم ما يمكن من الدعم والمساندة، ومن أبرزهم الطفلة (أبرار الحناني) التي رشحها البيت اليمني للموسيقى لـ”ملتقى الشارقة للأطفال العرب” فأحرزت المركز الأول في العزف على البيانو.

هذا بالإضافة إلى عشرات الأنشطة الأخرى مثل إصدار الكتب وإنتاج أشرطة كاسيت أناشيد لرياض الأطفال، وعمل دورات تأهيلية للمدرسين في مجال التربية الموسيقية.

“البيت اليمني للموسيقى” مهدد بالإغلاق، وهذا الحلم الجميل يكاد يتلاشى.. يصرح الفنان فؤاد الشرجبي: “منذ اندلاع الحرب في مارس 2015 ونحن عاجزون عن دفع إيجار المقر ورواتب الموظفين.. لقد بعت سيارتي لتسديد الإيجارات المتأخرة، والموظفين قرروا الاستمرار معنا بدون أجور إلى أن يفرجها الله”.

ودعني عند باب “البيت اليمني للموسيقى” وفي عينيه ضباب الحزن وقلبي مليء بالأسى. تركته ومضيتُ إلى مقهى في “التحرير” لشرب الشاي بالحليب مع الأصدقاء. فتحتُ سيرة “البيت اليمني للموسيقى” وكان كهل يجلس إلى طاولة مجاورة يُنصت لما نقول، ثم فجأة هب واقفاً وهو يضرب كفاً بكف ويصيح: “بيت للموسيقى في اليمن.. هذا هو الجنون بعينه!”.

تعليقات