Accessibility links

أميركي من أصول يمنية في الذكرى الـ44 لمقتله على مذبح قضية عادلة… ناجي ضيف الله.. مجددًا


         وصحيفة “اليمني الأميركي” تُعيد قراءة حكاية المزارع والمناضل الحقوقي الأميركي من أصول يمنية، ناجي ضيف الله، في الذكرى الـ(44) لمقتله، (15 أغسطس 1973م) على مذبح قضية عادلة أصبحت جزءًا من التاريخ الحقوقي الأميركي.. إنما هي بذلك تُجدد الاحتفاء بتضحيات أمثال هؤلاء من اليمنيين والعرب في أوطانهم الجديدة، بل تؤكد – بذلك – مدى إسهام هؤلاء المهاجرين في بناء هذا البلد، الذي صار  بلادهم، بعدما انصهروا في تاريخه الكفاحي، وسطّروا جزءًا من سيرته النضالية الحقوقية، وأصبحوا لبنة في بنائه الاقتصادي ونسيجه الاجتماعي..
كما أننا – وبمناسبة يوم العمال الأمريكي-نجدّد، بهذا الاحتفاء التذكّري بهذه الشخصية، ونتذكر، من خلاله، جذورنا وقيمنا الإنسانية الصادقة المرحبة بالهجرة، والمؤمنة بالحقوق العادلة أيضًا.. وكذلك التأكيد، من خلال هذه السيرة، أن أمثال هؤلاء هم من يصنعون التاريخ من خلال امتلاكهم ناصية العمل والإخلاص والانتماء لهذا الوطن، والقدرة على  التعبير  عن حقوقهم فيه كجزء لا يتجزأ منه، وكهوية ووطن جديد هاجروا إليه، وأخلصوا له، و ردوا له الجميل بكفاحهم من أجل الحقوق المدنية، وتعزيز اقتصاده وتماسكه الاجتماعي.. وبالمقابل لا بد أن يكون هذا الوطن معبِّرًا عن آمالهم وطموحاتهم في الحرية والتعايش والمساواة..

  “اليمني الأميركي” – آني رايلي – ترجمة خاصة:

ذكرت اللجنة الفرعية لمجلس الشيوخ الأميركي، حول العمال المهاجرين، أن “لدينا شريحة سكانية تتقاضى رواتب مُتدنية جدًّا، بالرغم من أنها تُسهم كثيرًا في خير ورفاهية شعبنا”، وهذه الشريحة هي قطاع عمال المَزارع…فمنذ ستينيات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، شكّل المهاجرون أغلبية عمال المزارع في الولايات المتحدة، وبسبب قدراتهم المحدودة في اللغة الإنجليزية، وجهلهم بحقوقهم كأشخاص وكعمال كانوا – دائمًا – عُرضةً للإساءة..

فبعد عقود من الفشل في تشكيل اتحاد نقابي لعمّال المزارع، اضطر العمال في العام 1965 للقيام بإضراب، وترك المزارع، وامتنع المستهلِكون عن تناول العنب وشرب نبيذ “كاليفورنيا”؛ في محاولة منهم لمؤازرة عمال المزارع للحصول على أجور عادلة ونفقات العلاج.

بوب فيتش – سيزار تشافيس يؤدي موكب الجنازة ل أوفو الشهيد ناجي ضيف الله، 1973

 

بيئة ظالمة

وعلى الرغم من أن الزراعة شكّلت 33% من العمالة في ولاية “كاليفورنيا” في العام 1969، فإن ظروف العمل لعمّال المزارع في هذه الولاية كانت أدنى بكثير من المستوى القياسي.. ففي ستينيات القرن الماضي كان أكثر من 80% من عُمّال المزارع يعيشون في مساكن لا تُلبّي معايير الصحة والسلامة الأساسية، ولم يكن لدى 63% منهم إمكانية الحصول على حمامات (لقضاء الحاجة) خاصة بهم، كما أن 30% منهم لم تكن لديهم إمكانية الحصول على حمامات (للاستحمام)، وكان 25% منهم يفتقرون إلى مصادر مياه جارية.. بالإضافة إلى ذلك فقد كانت أجور عمال المزارع دون الحد الأدنى للأجور، وكان هؤلاء العمال يُستبعدون من التشريعات الخاصة بالتأمين ضد البطالة، ومن المفاوضات العمالية الجماعية، ويتعرضون للمبيدات الحشرية الخطرة.

 

بداية التحرك

غير أنه، وفي تاريخ 8 سبتمبر عام 1965، قرر عمال المزارع – وهم أميركيون من أصول فلبينية، وكانوا تابعين للجنة المنظمة لعمال المزارع، ويعملون في قطف العنب – ترْك مَزارع الكروم والقيام بإضراب، وإدراكًا منهم بأنهم لن يحققوا ما يصبون إليه من خلال الإضراب بمفردهم، اتّجه هؤلاء العمال إلى “سيزر تشافيز”، مؤسس الرابطة الوطنية لعمال المزارع، وفي 16 سبتمبر 1965 – وهو عيد الاستقلال لدولة المكسيك – التحق بالإضراب عُمال المزارع من الأصول اللاتينية التابعين لرابطة العمال برئاسة “تشافيز”، وتعاون العمال المضربون – من الأصول اللاتينية والفلبينية – معًا، وتعهدوا بعدم اللجوء للعنف، وفي نفس الوقت سعوا للحصول على الدعم من الجماعات الكنسية والنقابات والطلاب وغيرهم.. وعلى مدى خمس سنوات واصل المضربون كفاحهم؛ لتحسين ظروف عملهم وأجورهم، وفي نهاية الأمر قادوا عملية مقاطعة للعنب، ومسيرة راجلة لمسافة 300 ميل من “ديلانو” إلى “ساكرامنتو”.. وبحلول العام 1970 كان جميع المزارعين الرئيسِين قد وقّعوا عقودًا مع عمّالهم ومع النقابات، وصار يُنظر إلى (إضراب “ديلانو”، والدعوة لمقاطعة العنب) على أنه أحد الإنجازات الكبيرة في سبيل حقوق العمال.

كريس سانشيز – مورنرز ويث ذي تابوت أوف ناغي ديفولا، 1973

 

الإضراب الثاني

لم يكن إضراب العام 1970 – الذي تصدّر عناوين الصُّحف في جميع أنحاء البلاد – قد انتهى تمامًا، وفي العام 1973 بقيت 30 مزرعة – كانت تُنتج حوالى 85% من منتوج العنب في المنطقة – بدون تجديد العقود الخاصة بها، بل، وبدلاً عن ذلك، قامت هذه المزارع بتوقيع عقود مع منظمة (الأخوّة الدولية لأعضاء الفريق – إنترناشيونال برذرهود أوف تيمسترز)، وهذه العقود – بحسب وصف “سيزر تشافيز” لها – “ليست عقود عمل، بل عقود زواج، وغدًا سنرى المزارعين وأعضاء منظمة (الأخوّة الدولية لأعضاء الفريق) يتنططون معًا يدًا بيد في الحقول، في شهر عسل”، فهذه الاتفاقات الجديدة – والتي يُشار إليها في كثير من الأحيان باسم “صفقات العشاق” – خفّضت مستوى أجور الساعات للعمال، وقلّصت حقوق العمال، وأعطت السلطة لأصحاب المزارع.. على إثر ذلك قام “تشافيز” بقيادة إضراب جديد عبر مُنظَّمة “عُمّال المزارع المتحدون”، وهي عبارة عن مُنظَّمة جديدة نشأت من خلال توحيد (اللجنة المُنظِّمة لعمال المزارع)، و(الرابطة الوطنية لعمال المزارع)…إنما، وعلى الرغم من أنّ (إضراب “ديلانو”، والدعوة لمقاطعة العنب) خلال الأعوام (1965-1970) كان قد حقق ضجّة إعلامية كبيرة، وكان يُنظر إليه على أنه انتصار كبير، إلا أنّ (الدعوة لمقاطعة العنب والخس عام 1973) فشلت في الحصول على الاهتمام والدعم من الصحافة الأميركية والشعب الأميركي.. وبمجرد قيام العمال من (لامونت إلى فريسنو) بالإضراب ضد منظَّمة (الأخوّة الدولية لأعضاء الفريق) قامت الشرطة بعمليات اعتقال وعنف جسدي ضد المئات من المضربين، بما في ذلك الرهبان والراهبات، والعمال الشباب المشاركين.. واستمر العنف والوحشية مما أدى إلى وفاة المهاجر اليمني ناجي ضيف الله.

 

ناجي.. شهيد الإضراب  

قبل (44) عامًا، ذات صباح باكر، من يوم 15 أغسطس 1973، وقف العربي الأميركي ناجي ضيف الله بين مجموعة من رقباء الإضراب على بقية خارج “مقهى سموكهوس كافي” في “لامونت” بولاية “كاليفورنيا”، وذلك عندما وصلت مجموعة مكوَّنة من ثلاثة من مفوضي الشرطة من مقاطعة “كيرن كاونتي”.. عندها قام أحد المفوَّضين الثلاثة “جيلبرت كوبر” باستهداف قائد الاعتصام “فرانك كوينتانا”، وحاول اعتقاله بتهمة إزعاج السِّلْم الاجتماعي، لكن “كوينتانا” والمعتصمين الآخرين لاذوا بالفرار، أما ناجي فلم يكن قد جرى مسافة بعيدة حتى لحق به مفوض الشرطة “جيلبرت كوبر” وأمسك به، ووجّه إليه ضربة في الرأس باستخدام مصباح يدوي معدني (5 خلايا)، وأثناء الضربة قام مفوض الشرطة الذي يزن 200 باوند (حوالى 91 كجم) بكسر عنق الشاب البالغ من العمر 24 عامًا، والذي لا يتعدى وزنه 100 باوند، مما تسبب في سقوطه على الأرض، بلا حراك.. ثم قام مفوّضو الشرطة بسحب جسد ناجي الغائب عن الوعي إلى سيارتهم، رافضين السماح بوصول أيّة مساعدة للرجل الملقي بلا حراك، والدماء تتدفق من رأسه. وبعد قيام مفوضي الشرطة بإلقاء القبض على ثلاثة معتصمين، كانوا يحاولون تقديم المساعدة، قام أحد المواطنين باستدعاء سيارة إسعاف، لكن ناجي توفي في وقت لاحق من ذلك اليوم؛ بسبب فقدان الكثير من الدماء، وتلف شديد في الدماغ.

 

تُوفّي ناجي على يد مفوّض الشرطة “جيلبرت كوبر”، وأصبح شهيدًا للإضراب.. وفي 17 أغسطس 1973، بعد يومين على وفاته، اجتمع حوالى (10) آلاف معتصم، وأعضاء منظمة “عمّال المزارع المتحدون”، والكثير من الداعمين للقضية، منطلقين في مسيرة صامتة – لمسافة أربعة أميال – إلى النصب التذكاري في مقر منظمة (عمال المزارع المتحدون).

الجدير بالذكر أن ناجي كان قد جاء من اليمن إلى الولايات المتحدة للبحث عن حياة أفضل، ودعم أسرته في وطنه الأم.. وعلى الرغم من ضعف التعليم في اليمن، فقد تمكّن ناجي، بعد وصوله إلى الولايات المتحدة، من تعلُّم اللغتين (الإنجليزية والإسبانية)، وعمِل مترجمًا، وأصبح حلقة وصل بين العُمّال الناطقين بالعربية والعمال الناطقين بالإسبانية، وحثهم للانضمام إلى الإضراب.

إزاء مقتل ابنه، أعرب والد ناجي السيد/ محسن ضيف الله – في تصريح له لمنظمة (عمال المزارع المتحدون) – عن حزنه لمقتل ابنه، بالقول: “لقد فقدتُ ابني عندما كنت في أمَسّ الحاجة إليه”.

في العام 1975، بعد مرور عامين على وفاة ناجي ضيف الله، أقرت ولاية “كاليفورنيا” قانون علاقات العمل الزراعية، الذي بموجبه حصل عُمّال المزارع – في النهاية – على حقوق العمل المترتبة على المفاوضات العُمالية الجماعية.

إرث ناجي

من المهم بالنسبة لنا أن نتذكر قصة ناجي، والأثر الذي خلّفه على حقوق الأميركيين والمهاجرين، فالإرث الذي تركه ناجي ضيف الله في مجال العدالة الاجتماعية سيظل ملموسًا في أوساط الأميركيين العرب وأعضاء منظمة (عمال المزارع المتحدون) والناشطين في مجال حقوق العمال.

الجدير بالذكر أنّ عمال الحراسة والتنظيف من (الاتحاد الدولي لموظفي الخدمات) كانوا قد اجتمعوا في “سان فرانسيسكو”؛ لتكريم ناجي، بعد مرور 29 عامًا على وفاته.. وكان أحد المشاركين/ أحمد يحيى مشرح، قد عمل في سبعينيات القرن الماضي كقاطف أعناب، ولديه ذكريات مع ناجي.. حيث وصف ناجي بأنه كان: “أحد القادة الذين كانوا مع “سيزر تشافيز”، وكان يلعب دورًا في غاية الأهمية”، وذكر أحمد مشرح كذلك أن لديه شعور بالأمل من أن ذكرى ناجي ستُذكِّر زملاءه من العمال بأهمية التعبير عن حقوقهم عندما يحين وقت تجديد عقود العمل الخاصة بهم.

وعلى نفس المنوال قام حزب “كاليفورنيا” الديموقراطي، في مقاطعة “أورانج كاونتي”، خلال اجتماعه رقم “72” للجمعية العمومية للتحالف الديمقراطي، بإنشاء (جائزة ناجي ضيف الله للعدالة الاجتماعية)؛ للتذكير بالتضحية التي قدّمها ناجي عند القيام بالإضراب باسم العدالة، وفي العام الماضي تم تكريم رئيس المعهد العربي الأميركي “الدكتور جيمس زوغبي” بهذه الجائزة.

 

ناجي وترامب 

ها نحن – بعد (44) عامًا على الحادثة – نرى ما يُذكّرنا بما قدمه ناجي من تفانٍ وإِرثٍ في الاحتجاجات الجماهيرية ضد قرار حظر سفر المسلمين، الذي أصدره الرئيس ترامب.. وفي حين أنّ أوائل المستوطنين في بلادنا كانوا لاجئين فارّين من القمع الديني، يبدو أن العديد من الأميركيين قد نسوا هذه الحقيقة، ونسوا معها جذورهم كمهاجرين.. ففي مدينة “نيويورك” قدّم لنا الأميركيون العرب، من أصول يمنية، مثالاً يُذكّرنا – بقوة – بهذا التاريخ، عندما احتجوا على حظر سفر المسلمين، في تاريخ 2 فبراير، من خلال إغلاق حوالى “1000” محل تجاري صغير، بالإضافة إلى غيرها من الشركات، إذ بقيت هذه المتاجر المهمة – والتي يديرها، في الغالب، مهاجرون، وعادة ما تظل مفتوحة 24 ساعة يوميًّا – مُظلِمة في ذلك اليوم.. وتجمع المتظاهرون ضد الحظر في “بوروهول” بـ “بروكلين”، حيث احتشدوا وحشدوا ضد الأمر التنفيذي بحظر السفر، وقدّموا الدعم لبعضهم البعض، وفي الوقت ذاته أعربوا عن شعورهم بالوطنية تجاه وطنهم الجديد الذي اختاروه.

يمتلك ناجي والمهاجرون، على غراره، تاريخًا طويلاً من القيام برد الجميل للولايات المتحدة، والكفاح من أجل الحقوق المدنية، وتعزيز الاقتصاد.. وعندما نواجه خطابًا معاديًا للمهاجرين؛ فيجب أن نتذكر جذورنا، وأنْ نتذكر “قصة ناجي”، وأنْ نُجاهر بالترحيب بالسياسات الداعمة للهجرة؛ حتى يتمكن الآخرون من الحصول على نفس الفرصة. . وإذا استطعنا فعل ذلك، فإننا – جميعًا – سنستفيد، والدليل على ذلك التضحية التي قدّمها ناجي.

تعليقات