Accessibility links

بقلم: د. شاكر الأشول

سمع الناس عن عروبة المنصوري، الفتاة اليمنية الأميركية التي نالت شرف التخرج بامتياز بين أٌقرانها من “سيتي كولج اوف نيويورك” وقدمت خطاب الخريجين بحضور زوجة الرئيس الأمريكي. احتفل الكثير بإنجاز عروبة بينما هناك ألف عروبة وعروبة حولنا مضت بهدوء وبدون احتفال وضجيج.  أصبح اسم عروبة رمزاً لتعليم الفتاة اليمنية الأميركية، لانتصارها ولتحقيقها لذاتها في مجتمع لم يعتد أن تأخذ المرأة مكانها وأن تحقق ذاتها وهو المجتمع اليمني الأمريكي.

وفي الوقت الذي وجدتُ في خطاب عروبة، خطابًا رائعًا رسم صورة لأسرة واجهت تحدي الضغوطات الاجتماعية ودعمت دراسة ابنتها لتحقق هذه الفتاة هذا الانتصار والنجاح.  شجاعة عروبة، وفكاهتها ومحتوى كلمتها تدلل على رحلتها وتدلل على فخرها بوالدتها ووالدها وبما حققته وذلك حق لها.

عروبة اسم نفتخر فيه وحكاية ستفتح الطريق أمام مزيد من الأسر والفتيات ليصبح التعليم لديهم خيار، نجاح عروبة وكلماتها حول التحدي الذي واجهته جعلت الكثير يستنكر ويقول أن اليمنيين حالهم أفضل مما وصفت، وأن اليمنيات أصبحن يذهبن إلى الجامعات في اليمن وفي أمريكا.  وعلى الرغم من أن عروبة لم تتحدث عن اليمنيات في اليمن إلا أن الكثير استنكر ما قالته بحجة أن المستمع سيأخذ انطباعاً سيئاً عن اليمن واليمنيين.  فتعالوا معاً نتحدث عن التعليم في اليمن وفي أوساط الجالية اليمنية الأمريكية ولنرى إذا كانت عروبة فعلاً قد تجنت علينا؟

عروبة وسمعة الجالية اليمنية

والآن دعونا نتحدث عن الجالية اليمنية الأمريكية وتاريخ التعليم فيها، فقد سمع البعض خطاب عروبة وقالوا إن كثير من الفتيات اليمنيات الأمريكيات اليوم في الجامعات وكثير من الأسر تشجع بناتها على التعليم وأن ما تحدثت به أمر خاص بأسرتها وكان من الخطأ أن تتحدث بتلك الطريقة.  دعوني أقول لكم صدقت عروبة مرتين، صدقت عروبة المنصوري عندما تحدثت عن واقعها وواقع أسرتها ولها كل الحق في ذلك لأن تلك حكايتها، ولا يحق لأحد أن يختصر أو يختزل حكاية أحد، وصدقت عروبة المنصوري أيضاً لو أرادت أن تتحدث عن واقع أسرتها كنموذج لكثير من الأسر اليمنية، لأن تعليم الفتاة بداخل الكثير من الأسر اليمنية لازال مشكلة، ولا زال تحد كبير لكثير من الآباء والأمهات.

ودعونا نبدأ بالاعتراف أن جاليتنا اليمنية الأمريكية لم تكن في الأصل جالية تعليم ولا طلب علم، فمن اليوم الأول الذي هبط فيه أول يمني على هذه الأرض الأمريكية لم يبحث لا عن مدرسة ولا عن تخصص جامعي، بالعكس كل من قصد الأرض الأمريكية جاءها عاملاً يجمع ما يستطيع من المال ويحاول العودة لأهله، بعد عشر أو عشرين أو عدد من السنين حسب قدرته وتحمله للغربة ومتاعبها وحظه أو سوء حظه.

حكاية التعليم في الجالية اليمنية الأمريكية في الأربعينات من القرن الماضي

في الأربعينات من القرن الماضي كان جدي نعمان مشرح (من جهة والدتي) شغوفاً بالتعلم لكنه لم ينزل من السفينة في شاطئ بروكلين لكي يكون خريجاً جامعياً، ولم يكن يملك من معارف الدنيا حينها إلا ما تعلمه من فقيه القرية.  ما الذي يعمله الشاب العشريني الذي جاء إلى العالم الجديد متعطشاً للتعليم في مجتمع عمل وعمال.  كان التعليم حينها للمتدلعين، أما اليمنيين “الرجال” المغتربين الذين جاءوا للعمل والغربة فلم يكن التعليم لهم.  كانت رغبة نعمان مشرح في التعليم قوية فأصبح يذهب سراً ليتعلم في المدارس الليلية، وكان يلبس الملابس النظيفة ليذهب إلى المدرسة الليلية وعند عودته إلى سكنه مع أصحابه يغير ملابس المدرسة النظيفة بملابس العمل المتسخة قبل أن يدخل عليهم.  تعلم نعمان مشرح رحمه الله في المدارس الليلية سراً لأن التعليم بين اليمنيين كان حينها عيب وتهرب من مسؤولية المغترب عن العمل وجمع المال لأسرته.

بعد حوالي خمسين سنة تقريباً من التاريخ (في نهاية الثمانينات) وعندما قدمت لمواصلة دراستي الثانوية والجامعية، كان المجتمع الذي وصلت إليه أيضًا مجتمع عمل وتجارة وكان التعليم ضرورة فقط لتعلم أساسيات العمل في الدكان والتعامل مع الزبائن.  ولذلك فقد كان أغلب اليمنيين لا يكملوا حتى دراسة الثانوية.  أذكر نصائح الكثير لوالدي بأن يفتح لنا دكان، وأن العمل في الدكاكين مضمون أكثر من الدراسة وأن كثير من الذين يدرسوا يضيعوا في أمريكا وبعضهم يستخدموا الحشيش والمخدرات ويذهبوا مع البنات. يعنى في عهد جدي نعمان كان العلم عيب وعندما أتيت أصبح العلم خطر.  ظل التعليم خطر على الأولاد وخطراً أكبر على البنات، وظل العمل بالدكاكين هو السبيل الأمثل لحياة أضمن ولمستقبل يعيش فيه اليمني الأمريكي بعيداً عن مؤثرات المجتمع الأميركي.

في التسعينات وبعد حرب الخليج بدأ الكثير من المغتربين في استقدام أسرهم من اليمن والاستقرار في الولايات المتحدة الأمريكية وقصد الكثير منهم منطقة ديترويت في ولاية ميشيغان.  هناك حدث التحول الأكبر من مجتمع اغترابي أعزب إلى مجتمع اغترابي عائلي.  تكاثرت العائلات حتى تغيرت ديموغرافية بعض المناطق مثل منطقة ديكس التابعة لضاحية ديربورن ومنطقة هامترامك التابعة والتي كانت الأقرب لمدينة ديترويت فأصبح أكثر من 80% من السكان وطلاب المدارس في المنطقة من أصول يمنية.  أزداد عدد الأبناء والبنات في المدارس وبدأت الأسر تتشجع أكثر لتدريس بناتها لشعورها بالأمان من ناحية لكثرة الأسر اليمنية حولهم ولكثر الطالبات ولأن التعليم أصبح يدر للفتيات ولأسرهن مبالغ مالية ساعدت الأسر اليمنية الأمريكية على تحسين وضعها.  وبينما قطعت الجالية اليمنية الأمريكية في منطقة ديترويت الشوط الأبعد في مجال تعليم الفتيات اليمنيات الأمريكيات ظلت بعض الأسر اليمنية الأمريكية في منطقة ديترويت وغالبية الأسر في مدينة نيويورك ومناطق كاليفورنيا تتحفظ عن إرسال بناتها إلى المدارس خوفاً عليهن أو خوفاً من انطلاقهن في المجتمع الأمريكي.

في كل بيت عروبة

لازلت أذكر مكالمة أحد الأصدقاء لي في نيويورك يخبرني عن قراره بإخراج بناته من المدارس لأنهن وصلن للمرحلة الثانوية لبعد المسافة بين المنزل والمدارس ولخوفه عليهن، أقنعته في النهاية أن يصبر وألا يخوف نفسه وأن يأخذ الأمور تدريجياً وبالفعل درس بناته وتخرجت الأولى من الجامعة بامتياز وتحذو الأخريات حذوها. تلك الفتاة مع أمها صارعن لتنال حقها من التعليم وفي الأخير دعمها والدها كعروبة لكن لم يسمع عنها أحد لأنها لم تقدم خطاباً مثل عروبة المنصوري على الرغم أن حكايتها لا تختلف كثيراً، الفتاة وأخواتها مثل عروبة ومثل ألف عروبة وعروبة في مجتمعنا سينجحن بفضل دعم والدهن لهن.  كما أني لازلت أذكر تلك النقاشات الحادة والمؤلمة مع بعض أقاربي حول تدريس بناتهم والتي كانت تنتهي بفشلي في إقناعهم.   بعضهم مرت عليه السنون وغير رأيه وبعضهم ظل مصمم ألا تتعلم بنته ولا تدخل جامعة.

والحقيقة أن عروبة المنصوري تحدثت عن حكايتها ولم تكن مسؤوليتها أن تفصل وضع الجالية التعليمي، ولم تكن مسؤوليتها أن تتحدث عن نجاح الكثير من اليمنيات في مجتمع الجالية اليمنية الأمريكية، وأكاد أجزم أن كل يمنية أمريكية حققت نجاحاً، بأن نجاحها مشابه كثيراً لنجاح عروبة، فهو نجاح تقاتل فيه الفتاة على حقوقها وتخرج فيه عن أنماط المجتمع الذي تعيش فيه والذي كان قد وضع أطر لطريقة حياتها وحياة أسرتها.   الأسماء كثيرة وحكايات الكفاح والتحدي كثيرة، يكفي أن نعرف أن وراء كل اسم ناجح حكاية، ولن أقع في فخ ذكر اسم البارزات فقط فالممرضة اليمنية الأمريكية التي تعمل اليوم حكاية نجاح والأستاذة ومساعدة الأستاذة حكاية نجاح وكفاح وكل يمنية أمريكية في موقع عمل ودراسة هي حكاية انتصار على تحديات كثيرة.

ولذلك فلنقبل كلام عروبة المنصوري، ولنحتفل بنجاحها أولاً ولنقبل أنها ستفتح أبواباً كثيرة للفتيات من بني منصور مثلما فتحت ذهبه المنتصر أبواباً كثيرة للفتيات من رداع، ومثلما فتحت إشراق الشوحطي أبواباً للفتيات من قرية أغرب، هذه أمثلة بسيطة توضح أن عروبة المنصوري سبقتها فتيات من مناطق مختلفة فتحت آفاق مستقبل مختلف للأسر من حولهم وللفتيات من تلك الأسر.

قبل يومين أيضاً تواصل معي عادل المثيل أحد الإخوة الأعزاء يبشرني بنجاح ابنته فاطمة المثيل وانتقالها لجامعة أخرى، أختار أن يبشرني لأنه يعرف كم تفرحني مثل هذه الأخبار وكم أهتم بها، لكن السبب الآخر هو أنه أحب أن ينقل لي سعادته وشعوره وهو يسمع اسمه في قاعة ماديسون سكوير جاردن، أكبر قاعات مدينة نيويورك الاحتفالية.  “شعور لا يوصف” هكذا قال لي…وشعوري كان لا يوصف وأنا أسمع حكاية نجاح أخرى، حكاية عروبة أخرى.  حفظ الله عروبة المنصوري وحفظ الله فاطمة المثيل وحفظ الله كل يمني وكل يمنية يدعم نجاح الآخرين أو يشق طريق النجاح لنفسه ولمجتمعة.

تعليقات